تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الاعتصام ( تحقيق الشقير والحميد والصيني ) — صفحة 383

مساهمون:

ص٣٨٣
وَهُوَ مَسْجِدُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَوْضِعُ قَبْرِهِ ( 1 ) ، لَكِنَّهُ أَبعدُ مِنَ الْمِيقَاتِ ، فَهُوَ زيادةٌ فِي التَّعَبِ قَصْدًا لِرِضَا اللَّهِ وَرَسُولِهِ ، فَبَيَّنَ أَن مَا اسْتَسْهَلَهُ مِنْ ذَلِكَ الأَمر اليسير في بادي الرأْي يُخَافُ عَلَى صَاحِبِهِ الْفِتْنَةَ فِي الدُّنْيَا ، وَالْعَذَابَ فِي الْآخِرَةِ ، وَاسْتَدَلَّ بِالْآيَةِ ( 2 ) . فَكُلُّ مَا كَانَ مِثْلَ ( 3 ) ذَلِكَ دَاخِلٌ - عِنْدَ مَالِكٍ - فِي مَعْنَى الْآيَةِ ؛ فأَين كَرَاهِيَةُ ( 4 ) التَّنْزِيهِ فِي هَذِهِ الأُمور الَّتِي يَظْهَرُ بأَول النَّظَرِ أَنها سَهْلَةٌ وَيَسِيرَةٌ ( 5 ) ؟ وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ : أَخبرني ابْنُ الْمَاجِشُونِ : أَنه سَمِعَ مَالِكًا يَقُولُ : التَّثْوِيبُ ( 6 ) ضَلَالٌ . قَالَ مَالِكٌ : وَمِنْ أَحدث فِي هَذِهِ الأُمة شَيْئًا ( 7 ) لم يكن
هامش
= دُفن فيها النبي صلّى الله عليه وسلّم فلا أعلم أحداً من الناس قال إنها أفضل من المسجد الحرام ، أو المسجد النبوي ، أو المسجد الأقصى ؛ إلا القاضي عياض ، فذكر ذلك إجماعاً ، وهو قول لم يسبقه إليه أحد فيما علمناه ، ولا حجة عليه ، بل بدن النبي صلّى الله عليه وسلّم أفضل من المساجد ، وأما ما فيه خُلِقَ ، أو ما فيه دُفِنَ فلا يلزم - إذا كان هو أفضل - أن يكون ما منه خُلِق أفضل ، فإن أحداً لا يقول : إن بدن عبد الله أبيه أفضل من أبدان الأنبياء ؛ فإن الله يخرج الحي من الميت ، والميت من الحي ، ونوح نبي كريم ، وابنه الْمُغْرَقُ كافر ، وإبراهيم خليل الرحمن ، وأبوه آزر كافر . والنصوص الدالّة على تفضيل المساجد مطلقة لم يُسْتَثْنَ منها قبور الأنبياء ، ولا قبور الصالحين . ولو كان ما ذكره حقَّاً ؛ لكان مَدْفَنُ كل نبي ، بل وكل صالح أفضل من المساجد التي هي بيوت الله ، فيكون بيوت المخلوقين أفضل من بيوت الخالق التي أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه ، وهذا قول مبتدع في الدين ، مخالف لأصول الإسلام " . وسئل أيضاً في نفس الموضع عن رجلين تجادلا ، فقال أحدهما : إن تربة محمد النبي صلّى الله عليه وسلّم أفضل من السماوات والأرض ، وقال الآخر : الكعبة أفضل ، فمع من الصواب ؟ فأجاب : " الحمد لله ، أما نفس محمد صلّى الله عليه وسلّم فما خلق الله خلقاً أكرم عليه منه ، وأما نفس التراب فليس هو أفضل من الكعبة البيت الحرام ، بل الكعبة أفضل منه ، ولا يعرف أحد من العلماء فضّل تراب القبر على الكعبة إلا القاضي عياض ، ولم يسبقه أحد إليه ، ولا وافقه أحد عليه ، والله أعلم " . اه - . ( 1 ) في ( ت ) : " قبره الشريف " . ( 2 ) في ( خ ) و ( م ) : " في الآية " . ( 3 ) في ( غ ) و ( ر ) : " بمثل " . ( 4 ) في ( ت ) : " فإن كراهة " . ( 5 ) في ( ت ) : " سهلة يسيرة " . ( 6 ) سيأتي معنى التثويب . ( 7 ) في ( ت ) : " ومن أحدث شيئاً في هذه الأمة " .