وعَدَّ مِنَ الْمَفَاسِدِ : الخوفَ مِنْ فَسَادِ نيَّته بِمَا يَدْخُلُ عَلَيْهِ مِنَ العُجْب والشُّهرة الْمَنْهِيِّ عَنْهَا ، فكأَنه يَقُولُ : اتْرُكْ اتِّبَاعَ السُّنَّةِ فِي زَمَانِ الْغُرْبَةِ خَوْفَ الشُّهرة وَدُخُولِ العُجْب . وَهَذَا شَدِيدٌ مِنَ الْقَوْلِ ، وَهُوَ مُعَارَض ( 1 ) بِمِثْلِهِ ، فإِن انْتِصَابه لأَن يَكُونُ دَاعِيًا لِلنَّاسِ بإِثر ( 2 ) صَلَوَاتِهِمْ دَائِمًا مَظِنَّةٌ لِفَسَادِ نيَّته بِمَا يَدْخُلُ عَلَيْهِ مِنَ العُجْب والشُّهرة ، وَهُوَ تَعْلِيلُ القَرَافي ( 3 ) ، وَهُوَ أَوْلَى ؛ لأَنه ( 4 ) فِي طَرِيقِ الِاتِّبَاعِ ، فَصَارَ تَرْكُهُ لِلدُّعَاءِ لَهُمْ مَقْرُونًا بالاقتداءِ ( 5 ) ، بِخِلَافِ الدَّاعِي ، فإِنه فِي غَيْرِ طَرِيقِ مَنْ تَقَدَّمَ ؛ فَهُوَ أَقرب إِلى فَسَادِ النِّيَّةِ .
وعَدَّ مِنْهَا مَا يُظَنّ بِهِ مِنَ ( 6 ) الْقَوْلِ برأْي أَهل الْبِدَعِ الْقَائِلِينَ بأَن الدعاءَ غَيْرُ نَافِعٍ ، وَهَذَا كَالَّذِي قَبْلَهُ ؛ لأَنه يَقُولُ لِلنَّاسِ : اتْرُكُوا اتِّبَاعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي تَرْكِ الدُّعَاءِ بِهَيْئَةِ الِاجْتِمَاعِ بَعْدَ الصلوات لئلا يُظَنَّ بك ( 7 ) الِابْتِدَاعُ ، وَهَذَا كَمَا تَرَى .
قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ ( 8 ) : وَلَقَدْ كَانَ شَيْخُنَا أَبو بَكْرٍ الفِهْري ( 9 ) يَرْفَعُ يَدَيْهِ عِنْدَ الرُّكُوعِ ، وَعِنْدَ رَفْعِ الرأْس مِنْهُ ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ ، وَتَفْعَلُهُ الشِّيعَةُ . قَالَ : فحضر عندي يوماً في مَحْرَس ابن الشَّوَّاء ( 10 ) بالثَّغْر - مَوْضِعِ تَدْرِيسِي - عِنْدَ صَلَاةِ الظُّهْرِ ، وَدَخَلَ الْمَسْجِدَ مِنَ المَحْرس الْمَذْكُورِ ، فَتَقَدَّمَ إِلى الصَّفِّ الأَول وأَنا فِي مُؤَخَّرِهِ قاعدٌ عَلَى طَاقَاتِ البحر ، أَتَنَسَّم الريح
هامش
( 1 ) في ( غ ) : " من القول ومعارض " .
( 2 ) في ( ر ) و ( غ ) : " بآثار " .
( 3 ) في " الفروق " ( 4 / 491 ) آخر الفروق .
( 4 ) قوله : " لأنه " سقط من ( خ ) .
( 5 ) في ( غ ) : " بالابتداء " .
( 6 ) قوله : " من " سقط من ( غ ) و ( ر ) .
( 7 ) كذا في جميع النسخ ، وعلق الشيخ رشيد رضا - رحمه الله - عليه بقوله : المناسب لقوله : " اتركوا " : أن يقول هنا : " بكم " ، ويعبر عن هذا المعنى بعبارة أخرى ، فيقال : ابتدعوا بالفعل لئلا يظن - باطلاً - أنكم ابتدعتم ، أو اتركوا السُّنَّة بالفعل لئلا تتهموا - بتركها - بسوء الظن . اه - .
( 8 ) في " أحكام القرآن " ( 4 / 1912 ) ونقله عنه القرطبي في " تفسيره " ( 19 / 281 ) .
( 9 ) هو الإمام أبو بكر محمد بن الوليد الطرطوشي صاحب كتاب " الحوادث والبدع " انظر ترجمته في " السير " ( 19 / 490 - 496 ) .
( 10 ) في ( خ ) : " أبي الشعراء " ، وفي ( م ) : " أبي الشواء " .