تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الاعتصام ( تحقيق الشقير والحميد والصيني ) — صفحة 265

مساهمون:

ص٢٦٥
ثُمَّ نَقُولُ : إِن العلماءَ يَقُولُونَ فِي مِثْلِ الدعاءِ وَالذِّكْرِ الْوَارِدِ عَلَى إِثْرِ الصَّلَاةِ : إِنه مُسْتَحَبٌّ ، لَا سُنَّةٌ وَلَا وَاجِبٌ ، وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى أَمرين : أَحَدُهُمَا : أَن هَذِهِ الأَدعية لَمْ تكن منه عليه السلام عَلَى الدَّوَامِ . وَالثَّانِي : أَنه لَمْ يَكُنْ يَجْهَرُ بِهَا دَائِمًا ، وَلَا يُظْهِرُهَا لِلنَّاسِ فِي غَيْرِ مُوَاطِنِ التَّعْلِيمِ ، إِذ لَوْ كَانَتْ عَلَى الدَّوَامِ وَعَلَى الإِظهار لَكَانَتْ سُنَّةً ، وَلَمْ يسعِ العلماءَ أَن يقولوا فيها بغير السنة ، إِذ خاصية السنة ( 1 ) - حَسْبَمَا ذَكَرُوهُ - : الدَّوَامُ والإِظهار فِي مَجَامِعِ النَّاسِ . وَلَا يُقَالُ : لَوْ كَانَ دُعَاؤُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - سِرًّا لَمْ يُؤْخَذْ عَنْهُ ، لأَنا نَقُولُ : مَنْ كَانَتْ عَادَتُهُ الإِسرار فَلَا بُدَّ أَن يَظْهَرَ منه ، أَو يظهر منه وَلَوْ مَرَّةً ، إِما بِحُكْمِ الْعَادَةِ ، وإِما ( 2 ) بِقَصْدِ التَّنْبِيهِ عَلَى التَّشْرِيعِ . فإِن قِيلَ : ظَوَاهِرُ الأَحاديث ( 3 ) تدل على الدوام ( 4 ) ؛ بِقَوْلِ الرُّوَاةِ : " كَانَ يَفْعَلُ " ، فإِنه يَدُلُّ عَلَى الدَّوَامِ ؛ كَقَوْلِهِمْ : " كَانَ حَاتِمٌ يُكْرِمُ الضِّيفَانِ " . قُلْنَا : ليس كذلك ، بل تطلق ( 5 ) على الدوام ، وعلى الكثرة ( 6 ) وَالتَّكْرَارِ عَلَى الْجُمْلَةِ ، كَمَا جاءَ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا : أَنه عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَنَامَ وَهُوَ جُنُبٌ تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ ( 7 ) . وَرَوَتْ أَيْضًا أَنَّهُ كَانَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يَنَامُ وَهُوَ جُنُبٌ من غير أَن يَمَسَّ ماء ( 8 ) .
هامش
( 1 ) في ( خ ) و ( م ) : " إذ خاصيته " . ( 2 ) قوله : " وإما " ليس في ( خ ) و ( م ) ، وعلق عليه رشيد رضا بقوله : يظهر أن في العبارة تحريفاً وحذفاً ، ولعل الأصل : " فلا بدّ أن يظهر منه إِمَّا بِحُكْمِ الْعَادَةِ ، وَإِمَّا بِقَصْدِ التَّنْبِيهِ عَلَى التشريع " . اه - . ( 3 ) في ( ر ) و ( غ ) : " الحديث " . ( 4 ) في ( خ ) و ( م ) : " على أن الدوام " . ( 5 ) كذا في ( غ ) و ( ر ) ، وفي ( خ ) و ( م ) : " يطلق " ، والمثبت أصوب ؛ لأن الضمير يعود على ظواهر الأحاديث التي يتكلم عنها المؤلف . ( 6 ) في ( خ ) : " الكثير " وفي ( م ) : " الكثر " . ( 7 ) أخرجه البخاري ( 286 ) ومسلم ( 305 ) . ( 8 ) أخرجه أبو داود ( 228 ) ، والترمذي ( 118 ) ، وابن ماجة ( 581 - 583 ) ، والنسائي في " الكبرى " ( 9052 - 9054 ) وغيرهم من طريق أبي إسحاق السبيعي ، عن الأسود ، عن عائشة ، به . وأعله يزيد بن هارون ، وأحمد وغيرهما ، يرون أنه غلط من أبي إسحاق . انظر تفصيل ذلك في " الإمام " لابن دقيق العيد ( 3 / 87 ) .