فَصْلٌ
ثَبَتَ بِمَضْمُونِ هَذِهِ الْفُصُولِ المتقدِّمة آنِفًا أَنَّ الحَرَج مَنْفِيٌّ عَنِ الدِّينِ جُمْلَةً وَتَفْصِيلًا ؛ وإِن كَانَ قَدْ ثَبَتَ أَيْضًا فِي الأُصول الْفِقْهِيَّةِ عَلَى وَجْهٍ مِنَ الْبُرْهَانِ أَبْلَغَ ، فَلْنَبْنِ عليه فنقول :
قد فهم قوم من أحوال ( 1 ) السَّلَفِ الصَّالِحِ وأَهل الِانْقِطَاعِ إِلى اللَّهِ - مِمَّنْ ثبتت وِلَايَتُهُمْ - أَنَّهُمْ كَانُوا يشدِّدون عَلَى أَنفسهم ، ويُلزمون غيرهم الشدَّة أيضاً ، فأقرّ هؤلاء الشدَّة ( 2 ) وَالْتِزَامَ ( 3 ) الحَرَج دَيْدَناً فِي سُلُوكِ طَرِيقِ الْآخِرَةِ ، وعَدُّوا ( 4 ) مَنْ لَمْ يَدْخُلْ تَحْتَ هَذَا الِالْتِزَامِ ( 5 ) مقصِّراً مَطْرُودًا ( 6 ) وَمَحْرُومًا وربَّما فَهِمُوا ذَلِكَ مِنْ بَعْضِ الإِطلاقات الشَّرْعِيَّةِ ، فرشَّحوا ( 7 ) بِذَلِكَ مَا الْتَزَمُوهُ ، فأَفضى الأَمر بِهِمْ إِلى الْخُرُوجِ عَنِ السُّنَّةِ إِلى الْبِدْعَةِ الْحَقِيقِيَّةِ أَو الإِضافية .
فَمِنْ ذَلِكَ : أَن يَكُونَ للمُكَلَّف طَرِيقَانِ فِي سُلُوكِهِ لِلْآخِرَةِ : أَحدهما : سَهْلٌ ، وَالْآخِرُ صَعْبٌ ، وَكِلَاهُمَا فِي التوصُّل إِلى الْمَطْلُوبِ عَلَى حدٍّ وَاحِدٍ ؛ فيأْخذ بَعْضُ الْمُتَشَدِّدِينَ بِالطَّرِيقِ الأَصعب الَّذِي يشقُّ عَلَى المكلَّف مثلُه ، وَيَتْرُكُ الطَّرِيقَ الأَسهل ؛ بِنَاءً عَلَى التَّشْدِيدِ على النفس ، كالذي يجد للطهارة
هامش
( 1 ) في ( خ ) : " أصول " ، وعلق عليها رشيد رضا بقوله : كلمة " أصول " لا يظهر لها معنى هاهنا . اه - .
( 2 ) قوله : " فأقر هؤلاء الشدة " ليس في ( خ ) و ( م ) .
( 3 ) في ( ر ) و ( غ ) : " وإلزام " .
( 4 ) في ( خ ) : " وعدول " .
( 5 ) في ( ر ) و ( غ ) : " الإلزام " .
( 6 ) في ( غ ) و ( ر ) : " ومطروداً " .
( 7 ) أي : فَقَوَّوا ودعموا ، يقال : ترشح : إذا قوي على المشي مع أمه .
وقال الأصمعي : إذا وضعت الناقة ولدها فهو شليل ، فإذا قوي ومشى فهو راشح . " لسان العرب " ( 2 / 449 )