من حقوق الله ( 1 ) فَلَا يَنْهَضُ مَا قُلْتُمْ ؛ إِذ لَيْسَ للمكلَّف خِيَرَةٌ فِيهِ . فَكَمَا أَنه مُتعبَّد بِالرِّفْقِ بِغَيْرِهِ ، كَذَلِكَ هُوَ مكلَّفٌ بِالرِّفْقِ بِنَفْسِهِ ، وَدَلَّ عَلَى ذلك قوله صلّى الله عليه وسلّم ( 2 ) : " إِن لِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا . . . " ( 3 ) ، إِلى آخَرِ الْحَدِيثِ . فَقَرَنَ حَقَّ النَّفْسِ بِحَقِّ الْغَيْرِ فِي الطَّلَبِ فِي ( 4 ) قَوْلِهِ : " فأَعط كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ " ، ثُمَّ جَعَلَ ذَلِكَ حَقًّا مِنَ الْحُقُوقِ .
وَلَا يُطلق هَذَا اللَّفْظُ إِلا عَلَى مَا كَانَ لَازِمًا . وَيَدُلُّ عَلَيْهِ : أَنه لَا يَحِلُّ للإِنسان أَن يُبِيحَ لِنَفْسِهِ وَلَا لِغَيْرِهِ دَمَهُ ، وَلَا قَطْعَ طرفٍ مِنْ أَطرافه ، وَلَا إِيلامه بشيءٍ مِنَ الْآلَامِ . وَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ أَثِمَ وَاسْتَحَقَّ الْعِقَابَ ، وَهُوَ ظَاهِرٌ .
وإِن قُلْنَا : إِنه مِنْ حَقِّ الْعَبْدِ وَرَاجِعٌ إِلى خِيَرَتِهِ ، فَلَيْسَ ذَلِكَ عَلَى الإِطلاق ؛ إِذ قَدْ تَبَيَّنَ فِي الأُصول أَن حُقُوقَ الْعِبَادِ لَيْسَتْ مُجَرَّدَةً مِنْ حَقِّ اللَّهِ .
وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ - فِيمَا نَحْنُ فِيهِ - : أَنه لَوْ كَانَ إِلى خِيَرَتِنَا بإِطلاق لَمْ يَقَعِ النَّهْيُ فِيهِ عَلَيْنَا ، بَلْ كُنَّا نُخَيَّر فيه ابتداءً ، وإلى ذلك ؛ فإِنه لو كان لخِيرَةِ ( 5 ) المُكَلَّفِ مَحْضاً ؛ لجاز للناذر لِعِبَادةٍ ( 6 ) أَن يَتْرُكَهَا مَتَى شاءَ وَيَفْعَلَهَا مَتَى شاءَ .
وَقَدِ اتَّفَقَ الأَئمة عَلَى وُجُوبِ الوفاءِ بِالنَّذْرِ ، فيجري ما أَشبهه ( 7 ) مَجْرَاهُ . وأَيضاً فَقَدْ فَهِمْنَا مِنَ الشَّرْعِ أَنه حبَّب إِلينا الإِيمان وزيَّنه فِي قُلُوبِنَا ، وَمِنْ جُمْلَةِ التَّزْيِينِ : تَشْرِيعُهُ عَلَى وجهٍ يُستحسن الدُّخُولُ فِيهِ ، وَلَا يَكُونُ هَذَا مَعَ شَرْعِيَّةِ الْمَشَقَّاتِ . وإِذا كَانَ الإِيغال فِي الأَعمال مِنْ شأْنه فِي الْعَادَةِ أَن يُورثَ الكَلَلَ ( 8 ) وَالْكَرَاهِيَةَ وَالِانْقِطَاعَ - الذي هو كالضِّدّ لتحبيب الإِيمان
هامش
( 1 ) قوله : " فإن قلنا : إنه من حقوق الله " سقط من ( خ ) و ( م ) .
( 2 ) تقدم تخريجه ( ص 157 ) .
( 3 ) قوله : " حقاً " ليس في ( م ) .
( 4 ) في ( غ ) و ( ر ) : " الذي هو " بدل " في " .
( 5 ) في ( خ ) : " بخيرة " .
( 6 ) في ( خ ) : " العبادة " .
( 7 ) في ( خ ) : " ما أشبه " .
( 8 ) في ( غ ) و ( ر ) : " الكلال " .