تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الاعتصام ( تحقيق الشقير والحميد والصيني ) — صفحة 185

مساهمون:

ص١٨٥
جَارِيًا عَلَى مُقْتَضَى الْأَدِلَّةِ وَعَمَلِ السَّلَفِ الصَّالِحِ رضي الله عنهم . وَالْجَوَابُ : أَن مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَدلة النَّهْيِ صحيح صريح ، وما نُقل عن الأوَّلين من الإيغال ( 1 ) يَحْتَمِلُ ثَلَاثَةَ أَوجه : أَحدها : أَن يُحْمَلَ عَلَى ( 2 ) أَنهم إِنما عَمِلُوا عَلَى التَّوَسُّطِ ، الَّذِي هُوَ مظنة الدوام ، فلم يلزموا أَنفسهم ما لَعَلَّه ( 3 ) يُدْخِل عَلَيْهِمُ الْمَشَقَّةَ حَتَّى يَتْرُكُوا بِسَبَبِهِ مَا هُوَ أَولى ، أَو يَتْرُكُوا الْعَمَلَ ، أَو يُبَغِّضُوهُ لِثِقَلِهِ عَلَى أَنفسهم ، بَلِ الْتَزَمُوا مَا كَانَ عَلَى النُّفُوسِ سَهْلًا فِي حَقِّهِمْ ، فإِنما طَلَبُوا الْيُسْرَ لَا الْعُسْرَ ، وَهُوَ الَّذِي كَانَ حَالَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحَالَ مَنْ تَقَدَّمَ النَّقْلُ عَنْهُ مِنَ الْمُتَقَدِّمِينَ بِنَاءً عَلَى أَنهم إِنما عَمِلُوا بمَحْض السنَّة وَالطَّرِيقَةِ الْعَامَّةِ لِجَمِيعِ المُكَلَّفين ، وَهَذِهِ طَرِيقَةُ الطَّبَرِيِّ فِي الْجَوَابِ . وَمَا تَقَدَّمَ فِي السُّؤَالِ مِمَّا يَظْهَرُ مِنْهُ خِلَافُ ذَلِكَ فَقَضَايَا أَحوال يُمْكِنُ حَمْلُهَا عَلَى وَجْهٍ صَحِيحٍ ، إِذا ثَبَتَ أَن الْعَامِلَ مِمَّنْ يُقتدى بِهِ . وَالثَّانِي : يُحْتَمَلُ أَن يَكُونُوا ( 4 ) عَمِلُوا عَلَى الْمُبَالَغَةِ فِيمَا اسْتَطَاعُوا ، لَكِنْ على غير جِهَةِ ( 5 ) الِالْتِزَامِ ، لَا بِنَذْرٍ وَلَا غَيْرِهِ ، وَقَدْ يَدْخُلُ الْإِنْسَانُ فِي أَعمال ( 6 ) يَشُقُّ الدَّوَامُ عَلَيْهَا ( 7 ) ، وَلَا يَشُقُّ فِي الْحَالِ ، فيَغْتَنِم نَشَاطَهُ فِي حَالِهِ خَاصَّةٍ ، غَيْرَ نَاظِرٍ فِيهَا ( 8 ) فِيمَا يأَتي ، ويكون فيه جارياً ( 9 ) عَلَى أَصل رَفْعِ الْحَرَجِ ، حَتَّى إِذا لَمْ يَسْتَطِعْهُ تَرَكَهُ وَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ الْمَنْدُوبَ لَا حَرَجَ فِي تَرْكِهِ فِي الْجُمْلَةِ . ويُشْعِر بهذا المعنى : ما فِي الْحَدِيثِ ( 10 ) عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا
هامش
( 1 ) قوله : " من الإيغال " ليس في ( خ ) و ( م ) . ( 2 ) قوله : " على " ليس في ( خ ) . ( 3 ) في ( خ ) : " بما لعله " . ( 4 ) في ( غ ) : " يكون " . ( 5 ) في ( خ ) : " لكن لا على جهة " . ( 6 ) في ( غ ) و ( ر ) : " عمل " . ( 7 ) في ( غ ) و ( ر ) : " عليه " . ( 8 ) قوله : " فيها " ليس في ( غ ) و ( ر ) . ( 9 ) في ( خ ) : " جارياً فيه " . ( 10 ) في ( خ ) : " ما في هذا الحديث " .
الاعتصام ( تحقيق الشقير والحميد والصيني ) — صفحة 185 | إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي