تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الاعتصام ( تحقيق الشقير والحميد والصيني ) — صفحة 184

مساهمون:

ص١٨٤
وأَيضاً فإِن النَّهْيَ لَيْسَ عَنِ الْعِبَادَةِ الْمَطْلُوبَةِ ، بَلْ هُوَ ( 1 ) عَنِ الْغُلُوِّ فِيهَا غُلُوًا يُدْخِل الْمَشَقَّةَ عَلَى الْعَامِلِ ، فإِذا فَرَضْنَا مَنْ فُقِدَتْ فِي حَقِّهِ تِلْكَ الْعِلَّةُ ، فَلَا يَنْتَهِضُ النَّهْيُ فِي حَقِّهِ ، كَمَا إِذا قَالَ الشَّارِعُ : لَا يقض الْقَاضِي وَهُوَ غَضْبَانُ ( 2 ) - وَكَانَتْ عِلَّةُ النَّهْيِ تَشْوِيشَ الْفِكْرِ عَنِ اسْتِيفَاءِ الْحُجَجِ - ، اطَّرَدَ النَّهْيُ مَعَ كُلِّ مُشَوِّش ، وَانْتَفَى عِنْدَ انْتِفَائِهِ ، حَتَّى إِنه مُنْتَفٍ مَعَ وُجُودِ الْغَضَبِ الْيَسِيرِ الَّذِي لَا يَمْنَعُ مِنَ اسْتِيفَاءِ الْحُجَجِ . وَهَذَا صَحِيحٌ جارٍ عَلَى الأُصول . وَحَالُ مَنْ فُقدت فِي حَقِّهِ الْعِلَّةُ حَالُ مَنْ يَعْمَلُ بِحُكْمِ غَلَبة الْخَوْفِ أَو الرَّجَاءِ أَو الْمَحَبَّةِ ، فإِن الْخَوْفَ سَوْطٌ سائق ( 3 ) ، والرجاءُ حادٍ قائد ، والمحبة سيل ( 4 ) حَامِلٌ . فَالْخَائِفُ إِن وَجَدَ الْمَشَقَّةَ فَالْخَوْفُ مِمَّا هو أَشق يحمله على الصبر على مَا هُوَ أَهون ، وإِن كَانَ الْعَمَلُ ( 5 ) شَاقًّا . وَالرَّاجِي يَعْمَلُ وإِن ( 6 ) وَجَدَ الْمَشَقَّةَ ؛ لِأَنَّ رجاءَ الرَّاحَةِ التَّامَّةِ يَحْمِلُهُ عَلَى الصَّبْرِ عَلَى بَعْضِ التَّعَبِ . وَالْمُحِبُّ يَعْمَلُ بِبَذْلِ الْمَجْهُودِ شَوْقًا إِلى الْمَحْبُوبِ ، فَيَسْهُلُ عَلَيْهِ الصَّعْبُ ، وَيَقْرُبُ عَلَيْهِ الْبَعِيدُ ، ويَفْنَى الْقُوَى ( 7 ) ، وَلَا يَرَى أَنه أَوفى بِعَهْدِ الْمَحَبَّةِ ، ولا قام بشكر النعمة ، ويعمر الْأَنْفَاسَ وَلَا يَرَى أَنه قَضَى نَهْمَتَهُ ( 8 ) . وإِذا كَانَ كَذَلِكَ صَحَّ الْجَمْعُ بَيْنَ الْأَدِلَّةِ ، وَجَازَ الدُّخُولُ فِي الْعَمَلِ الْتِزَامًا مَعَ الْإِيغَالِ فِيهِ ، إِما مُطْلَقًا ، وإِما مَعَ ظَنِّ انْتِفَاءِ الْعِلَّةِ ، وإِن دَخَلَتِ الْمَشَقَّةُ فِيمَا بَعْدُ ، إِذا صَحَّ من ( 9 ) العامل الدوام على العمل ، ويكون ذلك
هامش
( 1 ) قوله : " هو " ليس في ( ر ) و ( غ ) . ( 2 ) أخرجه البخاري ( 7158 ) ، ومسلم ( 1717 ) ، من حديث أبي بكرة ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " لا يقضين حكم بين اثنين وهو غضبان " . ( 3 ) في ( غ ) و ( ر ) : " شرط سابق " . ( 4 ) في ( م ) : " سبيل " . ( 5 ) قوله : " العمل " ليس في ( غ ) . ( 6 ) في ( غ ) و ( ر ) : " إن " . ( 7 ) في ( م ) : " وهي القوى " ، وفي موضعها طمس في ( خ ) ، وأثبتها رشيد رضا هكذا : " وهو القوي " ، واعتماده على ( خ ) . ( 8 ) في ( خ ) : " تهمته " . ( 9 ) في ( خ ) : " مع " بدل " من " .
الاعتصام ( تحقيق الشقير والحميد والصيني ) — صفحة 184 | إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي