تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الاعتصام ( تحقيق الشقير والحميد والصيني ) — صفحة 176

مساهمون:

ص١٧٦
وحين صارت الكراهية ( 1 ) هي المُقَدَّمة كان دخوله في العمل بقصد ( 2 ) الْقُرْبَةِ يُشْبِهُ الدُّخُولَ فِيهِ بِغَيْرِ أَمر ، فأَشبه الْمُبْتَدِعَ الدَّاخِلَ فِي عِبَادَةٍ غَيْرِ مأْمور بِهَا . فَقَدْ يُسْتَسْهَلُ بِهَذَا ( 3 ) الِاعْتِبَارِ إِطلاق الْبِدْعَةِ عَلَيْهَا كَمَا اسْتَسْهَلَهُ أَبو أُمامة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ( 4 ) . وَمِنْ حَيْثُ كَانَ الْعَمَلُ مأْموراً بِهِ ابْتِدَاءً قَبْلَ النَّظَرِ فِي الْمَآلِ ، أَو مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنِ الْمَشَقَّةِ ، أَو مَعَ اعْتِقَادِ الْوَفَاءِ بِالشَّرْطِ : أَشبه صاحبُه مَنْ دَخَلَ فِي نَافِلَةٍ قَصْدًا للتعبُّد بِهَا ، وَذَلِكَ صَحِيحٌ جارٍ عَلَى مُقْتَضَى أَدلة النَّدْبِ ، وَلِذَلِكَ أَمر بَعْدَ الدُّخُولِ فِيهِ بِالْوَفَاءِ ، كَانَ نَذْرًا أَو الْتِزَامًا بِالْقَلْبِ غَيْرَ نَذْرٍ ، وَلَوْ كَانَ بِدْعَةً دَاخِلَةً فِي حَدِّ الْبِدْعَةِ لَمْ يُؤْمَرْ بِالْوَفَاءِ ، وَلَكَانَ عَمَلُهُ بَاطِلًا . وَلِذَلِكَ جاءَ فِي الْحَدِيثِ : أَن رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رأَى رَجُلًا قَائِمًا فِي الشَّمْسِ ، فَقَالَ : " مَا بَالُ هَذَا ؟ " فَقَالُوا : نَذَرَ أَن لَا يَسْتَظِلَّ ، وَلَا يَتَكَلَّمَ ، وَلَا يَجْلِسُ ، وَيَصُومَ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلّم : " مره ( 5 ) فليجلس وليتكلم ويَسْتَظِلّ ( 6 ) ، وَلْيُتِمَّ صِيَامَهُ " ( 7 ) . فأَنت تَرَى كَيْفَ أَبطل عَلَيْهِ التعبُّد ( 8 ) بِمَا لَيْسَ بِمَشْرُوعٍ البتَّةَ ( 9 ) ، وأَمره بِالْوَفَاءِ بِمَا هُوَ مَشْرُوعٌ فِي الأَصل ، فَلَوْلَا أَنَّ لِلْفَرْقِ ( 10 ) بَيْنَهُمَا مَعْنًى لَمْ يَكُنْ لِلتَّفْرِقَةِ بَيْنَهُمَا مَعْنًى مَفْهُومٌ . وأَيضاً فإِذا كَانَ الدَّاخِلُ مأْموراً بِالدَّوَامِ لَزِمَ مِنْ ذَلِكَ أَن يَكُونَ الدُّخُولُ طَاعَةً ، بلا بُدٍّ ( 11 ) ؛ لِأَنَّ الْمُبَاحَ - فَضْلًا عَنِ الْمَكْرُوهِ وَالْمُحَرَّمِ - لَا يُؤْمَرُ بِالدَّوَامِ عَلَيْهِ ، وَلَا نَظِيرَ لِذَلِكَ في الشريعة . وعليه
هامش
( 1 ) في ( خ ) : " الكراهة " . ( 2 ) في ( خ ) : " لقصد " . ( 3 ) في ( غ ) و ( ر ) : " فقد " بدل " بهذا " . ( 4 ) في حديثه المتقدم ( ص 149 ) . ( 5 ) في ( خ ) : " مروه " . ( 6 ) في ( خ ) : " وليستظل " . ( 7 ) تقدم تخريجه ( ص 28 ) . ( 8 ) في ( خ ) و ( م ) : " التبدع " . ( 9 ) قوله : " البتة " ، ليس في ( خ ) . ( 10 ) المثبت من ( غ ) ، وفي باقي النسخ : " فلولا الفرق " . ( 11 ) في ( خ ) : " بل لا بد " .
الاعتصام ( تحقيق الشقير والحميد والصيني ) — صفحة 176 | إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي