تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الاعتصام ( تحقيق الشقير والحميد والصيني ) — صفحة 146

مساهمون:

ص١٤٦
إِلا أَن هَذَا التَّقْرِيرَ يَقْتَضِي أَن الْمَشْرُوعَ لَهُمْ يُسَمَّى ( 1 ) ابْتِدَاعًا ، وَهُوَ خِلَافُ مَا دَلَّ عَلَيْهِ حَدُّ الْبِدْعَةِ . وَالْجَوَابُ أَنه يُسَمَّى ( 2 ) بِدْعَةً مِنْ حَيْثُ أَخلّوا بِشَرْطِ الْمَشْرُوعِ ، إِذ شَرَطَ عليهم فيه شرط ( 3 ) فَلَمْ يَقُومُوا بِهِ . وإِذا كَانَتِ الْعِبَادَةُ مَشْرُوطَةً بشرط فعُمِلَ ( 4 ) بِهَا دُونَ شَرْطِهَا لَمْ تَكُنْ عِبَادَةً عَلَى وَجْهِهَا وَصَارَتْ بِدْعَةً ، كَالْمُخِلِّ قَصْدًا بِشَرْطٍ مِنْ شُرُوطِ الصَّلَاةِ ؛ مِثْلَ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ ، أَو الطَّهَارَةِ ، أَو غيرها ، بحيث ( 5 ) عَرَفَ بِذَلِكَ وعَلِمَه فَلَمْ يَلْتَزِمْهُ ، ودأَب عَلَى الصَّلَاةِ دُونَ شَرْطِهَا ، فَذَلِكَ الْعَمَلُ مِنْ قَبِيلِ الْبِدَعِ . فَيَكُونُ ترهُّب النَّصَارَى صَحِيحًا قَبْلَ بَعْثِ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ ( 6 ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَلَمَّا بُعث وَجَبَ الرُّجُوعُ عَنْ ذَلِكَ كلِّه إِلى مِلَّتِهِ ، فالبقاءُ عَلَيْهِ مَعَ نَسْخِهِ بَقَاءً عَلَى مَا هُوَ بَاطِلٌ بِالشَّرْعِ ، وَهُوَ عَيْنُ الْبِدْعَةِ . وإِذا بَنَيْنَا عَلَى أَن الِاسْتِثْنَاءَ مُنْقَطِعٌ - وَهُوَ قَوْلُ فَرِيقٍ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ - ، فَالْمَعْنَى : مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ أَصلاً ؛ وَلَكِنَّهُمُ ( 7 ) ابْتَدَعُوهَا ابتغاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ ، فَلَمْ يَعْمَلُوا بِهَا بِشَرْطِهَا ، وَهُوَ الإِيمان بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ إِذ بُعث إِلى النَّاسِ كَافَّةً . وإِنما سُمِّيَتْ بِدْعَةً عَلَى هَذَا الْوَجْهِ لأَمرين : أَحدهما : يَرْجِعُ إِلى أَنها بِدْعَةٌ حَقِيقِيَّةٌ - كَمَا تَقَدَّمَ - ؛ لأَنها دَاخِلَةٌ تَحْتَ حَدِّ الْبِدْعَةِ . وَالثَّانِي : يَرْجِعُ إِلى أَنها بِدْعَةٌ إِضافية ؛ لأَن ظَاهِرَ الْقُرْآنِ دَلَّ عَلَى أَنها لَمْ تَكُنْ مَذْمُومَةً فِي حَقِّهِمْ بِإِطْلَاقٍ ، بَلْ لأَنهم أَخلّوا بِشَرْطِهَا ، فَمَنْ لَمْ يُخِلَّ مِنْهُمْ بِشَرْطِهَا ، وَعَمَلِ ( 8 ) بِهَا قَبْلَ بَعْثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَصَلَ لَهُ فِيهَا أجر ،
هامش
( 1 ) في ( غ ) و ( ر ) : " سمي " . ( 2 ) في ( غ ) و ( ر ) : " سمي " . ( 3 ) قوله : " فيه شرط " سقط من ( خ ) و ( م ) . ( 4 ) في ( خ ) و ( م ) : " فيعمل " . ( 5 ) في ( خ ) و ( م ) : " فحيث " . ( 6 ) قوله : " رسول الله " ليس في ( غ ) و ( ر ) . ( 7 ) في ( غ ) : " ولكن " . ( 8 ) في ( غ ) و ( ر ) : " أو عمل " .