تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الاعتصام ( تحقيق الشقير والحميد والصيني ) — صفحة 139

مساهمون:

ص١٣٩
وَالْحَارِثُ الْمُحَاسَبِيُّ مِنْ كِبَارِ الصُّوفِيَّةِ المُقْتدى بِهِمْ ( 1 ) ، فإِذاً لَيْسَ فِي كَلَامِ الْمُجِيبِ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ هؤلاءِ المتأَخِّرون ( 2 ) ؛ إِذ بَايَنُوا الْمُتَقَدِّمِينَ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ . والأَمثلة فِي الْبَابِ كَثِيرَةٌ لَوْ تُتُبِّعَتْ لَخَرَجْنَا عَنِ الْمَقْصُودِ ، وإِنما ذَكَرْنَا أَمثلة تبيِّن مِنَ اسْتِدْلَالَاتِهِمُ الْوَاهِيَةِ مَا يُضَاهِيهَا ، وَحَاصِلُهَا الْخُرُوجُ فِي الِاسْتِدْلَالِ عَنِ الطَّرِيقِ الَّذِي أَوْضَحَهُ العلماءُ ، وَبَيَّنَهُ الأَئمة ، وَحَصَرَ أَنواعه الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ . وَمَنْ نَظَرَ إِلى طُرُقِ ( 3 ) أَهل الْبِدَعِ فِي الِاسْتِدْلَالِ عَرَفَ أَنَّهَا لَا تَنْضَبِطُ ؛ لأَنها سَيَّالة لَا تَقِفُ عِنْدَ حَدٍّ ، وعلى ( 4 ) وَجْهٍ يَصِحُّ لِكُلِّ زائغٍ وكافرٍ أَن يَسْتَدِلَّ عَلَى زَيْغِهِ وكفرِهِ ؛ حَتَّى يَنْسِبَ النِّحْلَةَ الَّتِي الْتَزَمَهَا إِلى الشَّرِيعَةِ . فَقَدْ رأَينا وَسَمِعْنَا عَنْ بَعْضِ الْكُفَّارِ أَنه اسْتَدَلَّ عَلَى كُفْرِهِ بِآيَاتِ الْقُرْآنِ ؛ كَمَا اسْتَدَلَّ بَعْضُ النَّصَارَى عَلَى تَشْرِيكِ ( 5 ) عيسى مع الله في الربوبية ( 6 ) بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ } ( 7 ) ، واستدل
هامش
( 1 ) لكن أنكر عليه الإمام أحمد وبعض أئمة عصره أموراً ظهرت منه . ذكر الخطيب في " تاريخه " ( 8 / 215 - 216 ) أن أبا القاسم النصراباذي قال : " بلغني أن الحارث المحاسبي تكلم في شيء من الكلام ، فهجره أحمد بن حنبل ، فاختفى في دار ببغداد ومات فيها ، ولم يصلّ عليه إلا أربعة نفر " . وذكر عن سعيد بن عمرو البرذعي أنه قال : " شهدت أبا زرعة - وسئل عن الحارث المحاسبي وكتبه - ، فقال للسائل : إياك وهذه الكتب ! هذه كتب بدع وضلالات ، عليك بالأثر ، فإنك تجد فيه ما يغنيك عن هذه الكتب . قيل له : في هذه الكتب عبرة ، قال : من لم يكن له في كتاب الله عبرة فليس له في هذه الكتب عبرة ، بلغكم أن مالك بن أنس ، وسفيان الثوري ، والأوزاعي ، والأئمة المتقدمين ، صنفوا هذه الكتب في الخطرات والوساوس وهذه الأشياء ؟ هؤلاء قوم خالفوا أهل العلم ، يأتونا مرة بالحارث المحاسبي ، ومرة بعبد الرحمن الديبلي ، ومرة بحاتم الأصم ، ومرة بشقيق ، ثم قال : ما أسرع الناس إلى البدع ! " . ( 2 ) في ( ر ) و ( غ ) : " لهؤلاء المتأخرين " . ( 3 ) في ( خ ) : " طريق " . ( 4 ) في ( خ ) : " وعلى كل " . ( 5 ) في ( غ ) : " تشريع " . ( 6 ) قوله : " في الربوبية " ليس في ( خ ) و ( م ) . ( 7 ) سورة النساء : الآية ( 171 ) .