دعوته ( 1 ) قصده : مطابق بحسب ما ذُكر أَوْ لا ؛ فإن مَنْ ( 2 ) دَعَا قَوْمًا إِلى مَنْزِلِهِ لتعلُّم آيَةٍ أَو سُورَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ ( 3 ) ، أَو سُنَّةٍ مِنْ سُنَنِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَو مُذَاكَرَةٍ فِي عِلْمٍ ، أَو فِي نعم الله ، أَو مؤانسة بشعر ( 4 ) فِيهِ حِكْمَةٌ لَيْسَ فِيهِ غناءٌ مَكْرُوهٌ وَلَا صَحِبَهُ شَطْحٌ وَلَا زَفَن وَلَا صِيَاحٌ ، وَلَا غَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْمُنْكَرَاتِ ، ثُمَّ أَلْقَى إِليهم شيئاً مِنَ الطَّعَامِ ( 5 ) عَلَى غَيْرِ وَجْهِ التكلُّف وَالْمُبَاهَاةِ ، ولم يقصد بذلك بدعة ، ولا امتيازاً بفرقة تَخْرُجُ بأَفعالها وأَقوالها عَنِ السُّنَّةِ ( 6 ) ، فَلَا شَكَّ فِي اسْتِحْسَانِ ذَلِكَ ؛ لأَنه دَاخِلٌ فِي حُكْمِ المأْدُبَةِ الْمَقْصُودِ بِهَا حُسْنَ العِشْرَةِ بَيْنَ الْجِيرَانِ ( 7 ) والإِخوان ، والتودُّد بَيْنَ الأَصحاب ، وَهِيَ فِي حُكْمِ الِاسْتِحْبَابِ ، فإِن كَانَ فِيهَا تَذَاكُرٌ فِي عِلْمٍ أَو نَحْوِهِ ، فَهِيَ مِنْ بَابِ التَّعَاوُنِ عَلَى الخير .
ومثاله ما يحكى عن محمد بن خفيف ؛ قَالَ : دَخَلْتُ يَوْمًا عَلَى الْقَاضِي عَلِيِّ بْنِ أَحمد ، فَقَالَ لِي : يَا أَبا ( 8 ) عَبْدِ اللَّهِ ! قلت ( 9 ) : لبيك أَيها القاضي ، فقال ( 10 ) : هَاهُنَا أَحكي ( 11 ) لَكُمْ حِكَايَةً تَحْتَاجُ أَن ( 12 ) تَكْتُبَهَا بِمَاءِ الذَّهَبِ . فَقُلْتُ : أَيها الْقَاضِي ! أَما الذَّهَبُ فَلَا أَجده ، وَلَكِنِّي أَكتبها بِالْحِبْرِ الْجَيِّدِ . فَقَالَ : بَلَغَنِي أَنه قِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ أَحمد بْنِ حَنْبَلٍ : إِنَّ الْحَارِثَ المُحَاسِبي يَتَكَلَّمُ فِي عُلُومِ الصُّوفِيَّةِ ، وَيَحْتَجُّ عَلَيْهِ بِالْآيِ ، فَقَالَ أَحمد : أَحب أَن أَسمع كَلَامَهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُ . فَقَالَ رَجُلٌ : أَنَا أَجمعك مَعَهُ . فَاتَّخَذَ دَعْوَةً ، وَدَعَا الْحَارِثَ وَأَصْحَابَهُ ، وَدَعَا أَحمد . فَجَلَسَ أحمد ( 13 ) بِحَيْثُ يَرَى الْحَارِثَ ، فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ ، فتقدَّم وصلَّى بِهِمُ الْمَغْرِبَ ، وأَحضر الطَّعَامَ ، فَجَعَلَ يأْكل وَيَتَحَدَّثُ معهم ، فقال أَحمد : هذا من السنة .
هامش
( 1 ) قوله : " في دعوته " من ( خ ) فقط .
( 2 ) قوله : " من " ليس في ( خ ) و ( م ) .
( 3 ) لفظ الجلالة : " الله " ليس في ( م ) .
( 4 ) في ( خ ) و ( م ) : " في شعر " .
( 5 ) في ( غ ) : " طعام " .
( 6 ) علق رشيد رضا هنا بقوله : هذا خبر " بأن " في قول : بأن من دعى . اه - .
( 7 ) في ( م ) : " الميزان " وكتب في الحاشية : " لعله الجيران " .
( 8 ) في ( م ) : " فقال لي أبا " .
( 9 ) في ( ر ) و ( غ ) : " فقلت " .
( 10 ) في ( خ ) : " قال " .
( 11 ) قوله : " أحكي " من ( خ ) فقط .
( 12 ) قوله : " أن " من ( خ ) فقط .
( 13 ) قوله : " أحمد " ليس في ( خ ) و ( م ) .