وَيُرَشِّحُ ذَلِكَ ( 1 ) أَنَّ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى : { إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا } ( 2 ) يشعر بإطلاق اللفظ على من فعل ( 3 ) ذَلِكَ الْفِعْلَ الَّذِي هُوَ التَّفْرِيقُ ، وَلَيْسَ إِلَّا الْمُخْتَرِعُ أَوْ مَنْ قَامَ مَقَامَهُ . وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تعالى : { وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا } ( 4 ) ، وقوله تَعَالَى : { فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ } ( 5 ) ، فَإِنَّ اتِّبَاعَ الْمُتَشَابِهِ مُخْتَصٌّ بِمَنِ انْتَصَبَ مَنْصِبَ الْمُجْتَهِدِ ( 6 ) لَا بِغَيْرِهِمْ ( 7 ) .
وَكَذَلِكَ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ عالم اتخذ الناس رؤوساً ( 8 ) جهالاً ، فسئلوا فأفتوا بغير علم " ( 9 ) ، فأقاموا ( 10 ) أَنْفُسَهُمْ مَقَامَ الْمُسْتَنْبِطِ لِلْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ ، الْمُقْتَدَى ( 11 ) بِهِ فِيهَا ، بِخِلَافِ الْعَوَامِّ ، فَإِنَّهُمْ مُتَّبِعُونَ لِمَا تَقَرَّرَ عِنْدَ عُلَمَائِهِمْ ، لِأَنَّهُ ( 12 ) فَرْضُهُمْ ، فَلَيْسُوا بِمُتَّبِعِينَ لِلْمُتَشَابِهِ حَقِيقَةً ، وَلَا هُمْ مُتَّبِعُونَ لِلْهَوَى . وَإِنَّمَا يَتَّبِعُونَ مَا يُقَالُ لَهُمْ كَائِنًا مَا كَانَ ، فَلَا يُطْلَقُ عَلَى الْعَوَامِّ لَفْظُ " أَهْلِ الْأَهْوَاءِ " حَتَّى يخوضوا بأنظارهم فيها ، ويحسنوا بها ( 13 ) وَيُقَبِّحُوا . وَعِنْدَ ذَلِكَ يَتَعَيَّنُ لِلَفْظِ " أَهْلِ الْأَهْوَاءِ " و " أهل البدع " مدلول واحد ، وهو من ( 14 ) انتصب للابتداع ولترجيحه على غيره .
أما ( 15 ) أهل الغفلة عن ذلك ، والسالكون سبيل ( 16 ) رُؤَسَائِهِمْ ( 17 ) بِمُجَرَّدِ التَّقْلِيدِ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ ، فَلَا ( 18 ) .
هامش
( 1 ) ساقطة من ( م ) و ( ت ) .
( 2 ) سورة الأنعام : آية ( 159 ) .
( 3 ) في ( خ ) و ( ط ) : " جعل " ، وهي غير واضحة في ( ت ) .
( 4 ) سورة آل عمران : آية ( 105 ) .
( 5 ) سورة آل عمران : آية ( 7 ) .
( 6 ) ساقطة من ( غ ) .
( 7 ) في ( خ ) و ( ط ) : " لا بغير " .
( 8 ) في ( خ ) و ( غ ) : " رؤساء " ، وكلاهما روايتان في الحديث .
( 9 ) تقدم تخريج الحديث ( ص 125 ) .
( 10 ) في ( خ ) و ( ط ) : " لأنهم قاموا " .
( 11 ) في ( خ ) : " المنتدا " .
( 12 ) في ( ت ) : " لأن " .
( 13 ) في ( خ ) و ( ط ) : " ويحسنوا بنظرهم " .
( 14 ) في ( خ ) و ( ط ) : وهو أن من انتصب . . " .
( 15 ) في ( ط ) : " وأما " .
( 16 ) في ( خ ) و ( ط ) : " سبل " .
( 17 ) في ( غ ) و ( ر ) : وسائلهم .
( 18 ) سوف يبين المؤلف فيما يأتي أن المقلدين لأئمة المبتدعة عندهم نوع استدلال يدخلهم في مسمى أهل الابتداع .