تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البناية شرح الهداية — صفحة 261

مساهمون:

ص٢٦١
شرح
دهقان قريته وكنت أحب الخلق إليه ، وكنت أجتهد في المجوسية ، أوقد النار لا أتركها تخمد أبدا اجتهادا في ديني . فأرسلني أبي يوما إلى ضيعة له في بعض عمله ، فمررت بكنيسة من كنائس النصارى ، فسمعت أصواتهم وهم يصلون فدخلت عليهم أنظر ماذا يصنعون ، فأعجبني ما رأيت من دينهم ، ورغبت عن ديني . فلما رجعت إلى أبي أخبرته الخبر فأخافني وجعل في رجلي قيدا وحبسني في بيتي أياما ، ثم أخبرت بقوم من النصارى خرجوا تجارا إلى الشام ، قال فألقيت القيد من رجلي وخرجت معهم حتى قدمت الشام فسألت عن الأسقف من النصارى ، فدلوني عليه في كنسية فجئت إليه وخدمته ولازمته وكنت أصلي معه . فلم يلبث أن مات وكان رجل سوء يأمرهم بالصدقة ، فإذا جمعوا له شيئا أخذه لنفسه ولم يعط المساكين شيئا . فلما جاءوا ليدفنوه أخبرتهم بخبره ودللتهم على موضع كنزه ، فاستخرجوا منه سبع قلال مملوءة ذهبا وفضة ، فصلبوه ورجموه بالحجارة . ثم جاءوا بآخر فوضعوه مكانه ، فما رأيت أزهد في الدنيا وأرغب في الآخرة ولا أدوم في العبادة ليلا ونهارا منه . فلم يلبث أن حضرته الوفاة ، فسألته فأوصى بي إلى رجل بنصيبين فلحقت به فلزمته ، فوجدته على أمر صاحبه فلم يلبث أن حضرته الوفاة ، فسألته فأوصى بي إلى رجل في عمورية من أرض الروم . فلحقت به فوجدته على هدي أصحابه ، فلم يلبث أن حضرته الوفاة ، فسألته فقال : والله يا بني ما أعلم أصبح اليوم على أمرنا أحد من الناس ولكنه قد أظللك زمان نبي بأرض العرب يبعث بدين إبراهيم - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ، به علامات لا تخفى : يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة ، بين كتفيه خاتم النبوة ، فإن استطعت أن تلحق بتلك البلاد فافعل . ثم مات ودفن ، فمكثت بعمورية ما شاء الله ثم مر بي قوم تجار ، فقلت لهم : تحملوني إلى أرض العرب وأعطيكم بقري وغنمي ، فقد اكتسبت بقرا وغنما . فقالوا : نعم . فأعطيتهم وحملوني حتى إذا قدموا بي على وادي القرى ظلموني فباعوني من رجل يهودي ، فكنت عنده ما شاء الله ، إذ قدم عليه ابن عم له من المدينة من بني قريظة ، فابتاعني منه ، وحملني إلى المدينة فأقمت بها وبعث الله رسوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بمكة ، فأقمت بها ما أقام لا أسمع له بذكر مع ما أنا فيه من شغل الرق ، حتى قدم رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - المدينة فذهبت إليه ، فدخلت عليه فقلت له : بلغني أنك رجل صالح وأصحابك غر حاجة ومعي شيء عندي للصدقة رأيتك