تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البناية شرح الهداية — صفحة 101

مساهمون:

ص١٠١
وإنما يشترط طلب المدعي ، لأنها حقه ، فيتوقف على طلبه كسائر الحقوق ، والشهادة في الحدود يخبر فيها الشاهد بين الستر والإظهار ، لأنه بين حسبتين : إقامة الحد والتوقي عن الهتك ،
شرح
وقال الزمخشري - رَحِمَهُ اللَّهُ - كتمان الشهادة هو أن يضمرها ، ولا يتكلم بها ، فلما كان آثما مقترفا بالقلب أسند إليه ؛ لأن إسناد الفعل إلى الجارحة التي يعمل بها أبلغ . م : ( وإنما يشترط طلب المدعي ؛ لأنها حقه ، فيتوقف على طلبه كسائر الحقوق ) ش : لأن الحق لما كان له لم يلزمهم الشهادة قبل طلبه ، بل يتوقف على الطلب كما في سائر الحقوق ، ونوقض بما إذا علم الشاهد الشهادة ، ولم يعلم بها المدعي ، ويعلم الشاهد أنه إن لم يشهد يضع حقه ، فإنه يجب عليه الشهادة ، ولا طلب ثمة . والجواب أنه ألحق بالمطلوب دلالة ، فإن الموجب للأداء عند الطلب إحياء الحق وهو فيما ذكرتم موجود ، فكان في معناه فألحق به لا يقال : قد مر آنفا أن طلب المدعي سببا لأداء الشهادة وهو خلاف ما ذكره المصنف - رَحِمَهُ اللَّهُ - بقوله ، وإنما يشترط طلب المدعي فإنه يدل على أن طلبه شرط ، وهو غير السبب ؛ لأن معنى كلامه وإنما يشترط وجود سبب الأداء وهو طلب المدعي . فالطالب سبب وجوده شرط فلا يخالفه حينئذ . فإن قلت : إنما جعله شرطا ، وقَوْله تَعَالَى : { وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ } [ البقرة : 282 ] ، { وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ } [ البقرة : 283 ] سببا . قلت : نعم ؛ لأنه خطاب وضع يدل على سبب ، وغيره كقوله تعالى : { أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ } [ الإسراء : 78 ] ( الإسراء : الآية 78 ) . [ الشهادة في الحدود ] م : ( قال ) ش : أي القدوري - رَحِمَهُ اللَّهُ - م : ( والشهادة في الحدود يخير فيها الشاهد بين الستر والإظهار لأنه ) ش : أي لأن الشاهد م : ( بين حسبتين ) ش : بكسر الحاء تثنية حسبة ، والحسبة ما ينتظر به الأجر في الآخرة ، وفي " الصحاح " احتسب بهذا جزاء عند الله ، والاسم الحسبة بالكسر ، وبين الأجر والجمع الحسب ، وفلان محتسب البلد ولا تقل محتسب م : ( إقامة الحد ) ش : حسبة لله تعالى ، فيقام عليه الحد والحسبة الأخرى م : ( والتوقي عن الهتك ) ش : أي التحفظ عن هتك المسلم حسبة لله تعالى ، فإن قيل : هذا الذي ذكره معارض لإطلاق قَوْله تَعَالَى : { وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ } [ البقرة : 283 ] ( البقرة : الآية 283 ) ، وتقييد المطلق بخبر الواحد لا يجوز . الجواب : أن الآية محمولة على الشهادة في حقوق العباد ، بدليل سياق الآية ، وهي آية المداينة وبالإجماع والنص قَوْله تَعَالَى : { إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ } [ النور : 19 ] إلى قوله : { لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ } [ النور : 19 ] ( النور : الآية 19 ) ، والمعنى أن الستر والكتمان إنما يحرم لخوف فوت حق المدعي المحتاج إلى إحياء حقه من الأموال وغيرها . فأما الحدود فهي حقوق الله تعالى ، والله - عز وجل - موصوف بالعطاء والكرم ، وليس فيه