تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البناية شرح الهداية — صفحة 259

مساهمون:

ص٢٥٩
ولأن الحرمة وإن كانت لشبهة البعضية الثابتة بنشوز العظم ، وإنبات اللحم ، لكنه أمر مبطن ، فتعلق الحكم بفعل الإرضاع ، وما رواه مردود بالكتاب أو منسوخ به
شرح
يقتضي وجوب التحريم بقليل الفعل وكثيره لصدق إطلاق اسم الأم عليه ، وهذا لأن كل حق يتعلق بعلة في الشرع يثبت الحكم بوجوده ، لا تعدد فيه ، وقيل لابن عمر : إن ابن الزبير يقول : لا بأس بالرضعة والرضعتين ، فقال : قضاء الله خير من قضاء ابن الزبير . وقال أبو بكر بن العربي : الرضاع وصف ثبت بنفس الفعل ، وهذا معلوم عربية ، وشرعًا . قال عز وجل : { وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ } [ النساء : 23 ] ( النساء : الآية 23 ) ، ارتبط التحريم بالرضاع مطلقًا ، من غير تقييد بخمس ، أو سبع ، أو عشر ، أو نحو ذلك ، فمن قدره بعدد لا يدل القرآن عليه فقد رفع حكم الآية بأمر مضطرب ، لا يعول عليه . واستدل أصحابنا أيضًا بقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : « يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب » وهذا الحديث أخرجه البخاري ومسلم ، من حديث ابن عباس ، ومن حديث عائشة ، وقد تقدم الكلام فيه في أول كتاب النكاح . قوله : - من غير فصل - يعني بين القليل والكثير في الكتاب والحديث ، روت عائشة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال : « إن الله حرم من الرضاع ما حرم من الولادة » متفق عليه . وفي البخاري ومسلم : « يحرم من الرضاع ما يحرم من الرحم » وفي لفظ : « ما يحرم من النسب » من غير تقييد بعدد كالقرآن . م : ( ولأن الحرمة وإن كانت لشبهة البعضية ) ش : هذا دليل معقول ، يتضمن جواب سؤال مقدر ، تقديره أن يقال : لما كان التحريم باعتبار إنشاز العظم ، وإنبات اللحم ، وذلك يحصل بالكثير دون القليل ، وتقدير الجواب : أن الحرمة وإن كانت باعتبار شبهة البعضية الحاصلة من اللبن م : ( الثابتة بنشوز العظم وإنبات اللحم ) ش : قال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : « الرضاع أنشز العظم وأنبت اللحم » والإنشار بالراء الإحياء ، قال الله تعالى : { إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ } [ عبس : 22 ] ( عبس : الآية 22 ) ، والمعنى في الحديث : نشره ، كأنه أحياه ، ويروى بالزاي ، يقال : نشز الشيء إذا ارتفع . م : ( لكنه أمر مبطن ) ش : فيه خفاء ، والرضاع سبب ظاهر م : ( فتعلق الحكم ) ش : أي حكم الحرمة م : ( بفعل الإرضاع ) ش : يعني بمجرد الإرضاع م : ( وما رواه ) ش : أي ما رواه الشافعي من قوله : « لا تحرم المصة » . . . الحديث م : ( مردود بالكتاب ) ش : لأن العمل بالكتاب أقوي على تقدير أن يكون الكتاب قبله م : ( أو منسوخ به ) ش : أي بالكتاب إن كان بعده . وعن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أنه قال : قوله : « لا تحرم الرضعة ولا الرضعتان » كان ذلك ، فأما اليوم فالرضعة الواحدة تحرم ، فيجعل ذلك منسوخًا ، حكاه عنه أبو بكر الرازي ، ومثله روي عن ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - . وقال ابن بطال : أحاديث عائشة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - مضطربة ، فوجب تركها والرجوع
البناية شرح الهداية — صفحة 259 | العيني