تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البناية شرح الهداية — صفحة 366

مساهمون:

ص٣٦٦
شرح
فإن قلت : روى البخاري ومسلم عن جابر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - « أن معاذا كان يصلي مع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - العشاء الآخرة ثم يرجع إلى قومه فيصلي بهم تلك الصلاة » هذا لفظ مسلم ولفظ البخاري فيصلي بهم الصلاة المكتوبة . قلت : الجواب عنه من وجوه : الأول : أن الاحتجاج من باب ترك الإنكار من النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وشرط ذلك علمه بالواقعة وجاز أن لا يكون علم بها ، ويدل عليه ما رواه أحمد في " مسنده " عن معاذ بن رفاعة « عن سليم رجل من بني سلمة أنه أتى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال : يا رسول الله إن معاذ بن جبل يأتينا بعدما ننام ونكون في أعمالنا بالنهار فينادي بالصلاة فنخرج عليه فيطول علينا فقال له - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : " يا معاذ لا تكن فتانا إما أن تصلي معي وإما أن تخفف على قومك » " ، فدل على أنه كان يفعل أحد الأمرين ، ولم يكن يجمعهما بأنه قال : « إما أن تصلي معي » أي ولا تصلي بقومك ، « وإما أن تخفف على قومك » ولا تصلي معنا . الثاني : أن النية أمر مبطن لا يطلع عليه إلا بإخبار الباري ، ومن الجائز أن يكون معاذ كان يجعل صلاته معه - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بنية النفل ليتعلم سنة القراءة منه وأفعال الصلاة ، ثم يأتي قومه فيصلي بهم الفرض ويؤيده أيضا حديث أحمد المذكور . فإن قلت : معاذ إن ترك فضيلة الفرض خلف النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ويأتي به مع قومه وكيف يظن معاذ بعد سماعه قول النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - « إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة » ولعل الصلاة الواحدة مع النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خير من كل صلاة صلاها في عمره ، وأيضا وقع في رواية الشافعي ، ومن طريقه روى الدارقطني ثم البيهقي « هي له تطوع ولهم فريضة » رواه الشافعي في " مسنده " . قلت : قال الشيخ تقي الدين : يمكن أن يقال في الحديث المذكور : إن مفهومه أن لا يصلي نافلة غير الصلاة التي تقام ؛ لأن المحذور وقوع الخلاف على الأئمة ، وهذا المحذور سبق مع الاتفاق في الصلاة المقامة ، ويؤيد هذا اتفاقهم على جواز اقتداء المتنفل بالمفترض ، ولو تناوله النهي لما جاز مطلقا . وقولهم : وكيف يظن بمعاذ إلخ غير موجه ؛ لأنه ليس تفوته الفضيلة معه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في سائر أئمة مساجد المدينة وفضيلة النافلة خلفه مع أداء الفرض مع قومه تقوم مقام أداء الفريضة خلفه وامتثال أمر النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في إمامة قومه زيادة طاعة .