شرح
فإن قلت : هذا الحديث مشهور فإن العلماء تلقته بالقبول فيجوز الزيادة بمثله .
قلنا : لا نسلم ذلك لأن المشهور ما تلقاه التابعون بالقبول . وقد اختلف التابعون في هذه المسألة ، ولئن سلمنا أنه مشهور ، فالزيادة بالخبر المشهور إنما يجوز إذا كان محكما ، أما إذا كان محتملا فلا . وهذا الحديث محتمل لأن مثله نفي الجواز ويستعمل لنفي الفضيلة كقوله - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - : « لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد » ، ولأنه معارض لما روي أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال : « لا صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب أو غيرها » .
وروي : « لا صلاة إلا بقراءة ولو بفاتحة الكتاب » وقد ذكرناه عن قريب . وروي أنه - عَلَيْهِ السَّلَامُ - علم الأعرابي الصلاة إلى أن قال : « الله أكبر ثم اقرأ ما تيسر أو ما معك من القرآن » .
فإن قلت : نفي الجواز أصل فيكون هذا المراد .
قلت : لا نسلم أن الأصل هو المراد بالحديث لجواز ترك الأصل بدليل يقتضي الترك .
فإن قلت : أخرج مسلم وأبو داود وغيرهما من حديث أبي هريرة قال : قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : « من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج غير تمام » . فهذا يدل على الركنية .
قلت : لا نسلم ذلك لأن معناه ذات خداج أي نقصان صلاة ناقصة ، وهذا لا يوافق مذهبنا لأنه ثبت النقصان لا الفساد ، ونحن نقول : لأن النقصان في الوصف لا في الذات ، ولهذا قلنا بوجوب الفاتحة .
فإن قلت : قَوْله تَعَالَى { فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ } [ المزمل : 20 ] عام خص منه البعض وهو ما دون الآية ، فإن المصنف ذكر في فصل القراءة أدنى ما يجزئ من القراءة عند أبي حنيفة أنه آية ، لأن ما دون الآية خارج بالإجماع ، فإذا كان كذلك يجوز تخصيصه بخبر الواحد بل القياس أيضا .
قلت : القرآن يتناول ما هو معجز عرفا فلا يتناول ما دون الآية .
فإن قلت : هذا مستقيم على قولهما لأنهما قالا : فرض القراءة ثلاث آيات قصار وآية طويلة . أما على قول أبي حنيفة لا يستقيم ، لأن الفرض يتأدى عنده بالآية القصيرة وهي ليست بمعجزة .
قلت : الشرط فيه أن تكون الآية القصيرة كلمتين أو أكثر ، ولا يتأدى الفرض بآية هي كلمة واحدة ك " ص " و " ن " ، وقال : مذهنبا بائن في الصحيح ، فإذا كان كذلك لم يدخل ما دون الآية في النص .
وقال الأترازي : فإن قلت : إن مالكا مستدل على ركنية الفاتحة وضم السورة جميعا بقوله :