شرح
صاحب " الدراية " أخذ هذا يومئذ في شرحه . وأما الأكمل فإنه قال : وهذا استثناء العرض من العين فيكون منقطعاً .
قلت : لم يكن له حاجة إلى ادعاء حذف المستثنى منه ولا الاستشكال ، والجواب عنه بل الأوجه هنا أن يقول : إلا هاهنا استثناء من قوله : فتزول بزوالها . والمعنى : فالنجاسة لا تبقى بزوال عينها كما حمل لفظ يأبى في قَوْله تَعَالَى { وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ } [ التوبة : 32 ] ( التوبة : 32 ) ، على معنى : لا يريد بهما بمعنى واحد ، وكذلك هنا معنى قوله : فتزول ، فلا تبقى ، فحينئذ وجد الشرط في هذا الاستثناء وهو كون الكلام غير إيجاب ، فيكون معنى فتزول النجاسة فلا تبقى النجاسة فتزول عنها إلا بقاء أثرها الذي يشق إزالته ، فإنه معنوي فيجيء كلام الأكمل وهو استثناء العرض من العين فانتفى قول السغناقي ، لأن استثناء الأثر من العين لا يصح .
الثاني : أن المراد من الأثر هو اللون والرائحة وتعريفهم المشقة بالاحتياج في قلعه إلى شيء أخر نحو الصابون والحرص وغيرها ، ومنه قال الأكمل : ما يشق إزالته بالاحتياج إلى الإزالة إلى غير الماء كالصابون والأشنان .
قلت : هذا التفسير ليس بشيء لأن المعنى ليس على هذا ، بل المعنى الذي يقتضيه التركيب ؛ عدم إزالة الأثر بالماء لا يضر ، والدليل عليه « حديث خولة بنت يسار سألت النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن دم الحيض ، فقال : " اغسليه " فقلت : فإن لم يخرج الدم ؟ ، فقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " لا يضرك أثره » ، أخرجه أبو داود في رواية ابن الأعرابي والبيهقي من طريقين .
وقال إبراهيم الحربي : لم يسمع بخولة بنت يسار إلا في هذا الحديث .
ورواه الطبراني في " الكبير " من حديث خولة بنت حكيم ، ووهم ابن الأعرابي حيث عزاه إلى أبي داود ، وليس كذلك ، فإن أبا داود إنما رواه من حديث خولة بنت يسار كما ذكرنا ، ولأن الأثر إذا لم يزل كان ذلك ضرورة فيسقط بهم حكم النجاسة ، ولأن الأثر عبارة عن اللون والنجاسة ما كانت باعتبار اللون بل باعتبار العين والنتن وقدر الأقل .
فإن قلت : روى أبو داود عن معاذة قالت : سألت عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - عن الحائض يصيب ثوبها الدم ، قالت : تغسله ، فإن لم يذهب أثره فلتغيره بشيء من صفرة ، وفي رواية الدارمي : باصفرار الزعفران ، فهذا يدل أن الاحتياج إلى شيء غير الماء .
قلت هذا موقوف ، وأيضاً فلا يدل على أن الاحتياج المذكور ضروري ، وإنما أمرت عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - بذلك لتغيير اللون لا للإزالة ، فإن ذلك يشق وفيه حرج وهو مدفوع .