تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البناية شرح الهداية — صفحة 439

مساهمون:

ص٤٣٩
شرح
الأول ومن بعدهم أجمعوا على اقتناء الحمامات في المساجد حتى المسجد الحرام ، فدل هذا الإجماع على طهارة خرء الحمام ، وفي قوله : - على اقتناء الحمامات - نظر ؛ لأن الاقتناء والاتخاذ من قولهم قنوت الغنم وغيرها قنوة ، وقنيتها قنية أيضا إذا اقتنيتها لا للتجارة واقتناء المال وغيره اتخاذه ، ولم ينقل عن أحد من الصدر الأول أو ممن بعدهم بأنه اتخذ حماما في مسجد من مساجد الله أو في مسجد الكعبة ، غاية ما في الباب أنها كانت تأوي إلى المساجد ، ولم يكن أحد منهم يمنعه ويسكت عند ، فحينئذ يكون هذا نوعا من أنواع الإجماع السكوتي . فإن قلت : ما كان سبب سكوتهم عن هذا حتى جعل إجماعا منهم ؟ قلت : حديث أخرجه الطبراني في " معجمه " والبزار في " مسنده " والبيهقي في " دلائل النبوة " من حديث عون بن عمرو القيسي قال : سمعت أبا مصعب المكي قال : أدركت أنس بن مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ - زيد بن أرقم والمغيرة بن شعبة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - يتحدثون أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال « أمر الله تعالى شجرة ليلة الغار فنبتت في وجهي ، وأمر الله العنكبوت فنسجت فسترني الله وأمر الله تعالى حمامتين وحشيتين فوقفتا بفم الغار ، وأقبل فتيان من قريش بعصيهم وهراواتهم وسيوفهم حتى إذا كانوا من النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قدر أربعين ذراعا ، فجعل بعضهم ينظر في الغاز فرأى حمامتين بفم الغار فرجع إلى أصحابه فقالوا : مالك لم تنظر في الغار ، قال : رأيت بفمه حمامتين فعرفت أنه ليس فيه أحد فسمع النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ما قال فعرف أن الله قد درأ عنه بهما ، فدعا لهما وشمت عليهن وأقررن في الحرم ، وفرض خروجهن » وقال البزار لا نعلم روايته إلا عون بن عمر وهو بصري مشهور وضعفه العقيلي ، ويقال عون بن عمرو . قوله : شمت بالشين المعجمة وتشديد الميم يقال : شمت فلانا وشمت عليه ، إذا دعا له بالخير والبركة في حديث زواج فاطمة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - فأتاهما فدعا لهما وشمت عليهما ثم خرج . فإن قلت : لا ينعقد الإجماع إلا بدليل يوجب العلم قطعا ولا ينعقد بخبر الواحد والقياس . قلت : هذا من مذهب الشيعة والقاشاني من المعتزلة وابن جريج ، ومذهب أهل السنة والجماعة الحكم بالإجماع بطريق القطع ، وكون الإجماع حجة قطعية لم يثبت من دليل ، فنسبه الداعي إليه بل إنما ثبت من قبل ذا إن الإجماع رفعه وكرامة لهذه الأمة خاصة وأشد أمة لحجة الله