وحرمة الانتفاع بأجزاء الآدمي لكرامته
شرح
هذا الباب - غير تحقيق لأنه إنما يلزم ما ذكره إذا جزم بعود الضمير إلى المضاف ، وقد قلنا : إنه يجوز الأمران ، والتحقيق في هذا الباب أن يكون التقدير في الضمير - فإن كل واحد من الميتة والدم المسفوح ولحم الخنزير رجس أي نجس - فيكون هذا تعليلا لقوله : محرما ، فبين بذلك أن هذه الأشياء حرام لأنها نجسة ، لأنه لو لم يذكر { فَإِنَّهُ رِجْسٌ } [ الأنعام : 145 ] لما كان يلزم من صدر الكلام النجاسة لهذه الأشياء ؛ لأن الحرمة لا تستلزم النجاسة .
فإن قلت : فعلى هذا يلزم اقتصار النجاسة في الخنزير على لحمه .
قلت : الأمر كذلك فإنه قال : { عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ } [ الأنعام : 145 ] والطعم لا يكون إلا في اللحم دون غيره وهو المطلوب .
فإن قلت : فعلى هذا يجوز استعمال جلده بالدباغ واستعمال شعره .
قلت : أما جلده فقد اختلف فيه ، هل قبل الدباغ أم لا ، فقد قال بعضهم : إنه يقبل ، فعلى هذا يطهر بالدباغ ، وهو مذهب الليث وداود ورواية عن أبي يوسف - رَحِمَهُ اللَّهُ - وقال بعضهم : إنه لا يقبل ، فعلى هذا لا يطهر بالدباغ ، وقد ذكرنا هذا فيما مضى عن قريب .
وأما شعره فإنه جزء ما هو نجس بعينه ، وللجزء حكم الكل غير أن محمدا أباح الانتفاع به للخرازين والأساكفة للضرورة لأن في تنجيسه حرجا .
وقوله : لأن نجاسة لحمه عرفت بالنص من قَوْله تَعَالَى : { أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ } [ الأنعام : 145 ] ( الأنعام : الآية 145 ) ليس كذلك لأن بالنص ما عرف إلا حرمة لحمه ، ونجاسته عرفت من الضمير الراجع إلى كل واحد من الأشياء الثلاثة قررناه فافهم ، فإنه موضع دقيق .
وقوله - لأن حرمة الشيء مع صلاحيته للغذاء لا لكرامته آية النجاسة - ينتقض بلحم الفرس لأنه حرام عند أبي حنيفة ومالك - رحمهما الله - مع صلاحيته للغذاء مع أنه غير نجس .
فإن قلت : حرمته للكرامة . قلت : لا نسلم ذلك ، وإنما حرمته لكون أكله سببا لقتله لأنه آلة الجهاد ، ولأن الله تعالى امتن علينا بكونه مركوبا ولم يمتن بكونه مأكولا مع أن نعمة الأكل فوق نعمة الركوب .
[ الانتفاع بأجزاء الآدمي ]
م : ( وحرمة الانتفاع بأجزاء الآدمي لكرامته ) ش : يتعلق بقوله : أو الآدمي ، والمعنى بخلاف جلد الخنزير فإنه لا يطهر بالدباغ لنجاسة عينه ، ولجد الآدمي لكرامته ؛ لأن الله تعالى كرمه ، وفي استعمال جلده ابتذال له ، هكذا قرره الشيخ الأكمل . وأنا أقول : هذا جواب عن سؤال مقدر تقديره أن يقال : لما خرج جلد الآدمي عن حكم الدباغ بقوله : إلا جلد الآدمي كان ينبغي أن يجوز الانتفاع ببقية أجزائه مثل شعره وعظمه وعصبه وغير ذلك ، فأجاب عن ذلك بقوله :