تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البناية شرح الهداية — صفحة 117

مساهمون:

ص١١٧
شرح
وكلاهما ، وكلتاهما ، وكل ، وأجمع ، وأكتع ، وأبتع ، وأبصع . ولا يؤكد بكل وأجمع إلا شيء ذو أجزاء يصح افتراقها حسا ، نحو : زيد وعمر وبكر وغيرهم ، أو حكما ، نحو : اشتريت العبد كله أجمع ، فإن العبد ، وإن لم يكن له أجزاء يصح افتراقها حسا لكن له أجزاء يصح افتراقها حكما ؛ لأنه يجوز أن يكون المشترى منه ربعه ، أو ثلثه ، أو نصفه ، أو ثلثيه . واعترض على المصنف - رَحِمَهُ اللَّهُ - بأنه ترك ذكر محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، مع كونه الأصل المحتاج إلى ذكره ؛ لأنهم ذكروا أنه مما لا بد منه في أوائل المصنفات . الابتداء بالبسملة ، ثم بالحمدلة ، ثم بالصلاة على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بصريح اسمه ، والمصنف خالف المصنفين أصحاب التصانيف والرسائل . وأجاب عنه الشيخ أكمل الدين بأن المراد بالرسل والأنبياء محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، لكن جمعه تعظيما له وإجلالا لقدره . قال الشيخ قوام الدين : كان ينبغي أن يصلي على محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قصدا بذكر اسمه وصفاته ؛ لأن الله تعالى قد رفع ذكره ، قال تعالى : { وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ } [ الشرح : 4 ] ( سورة الشرح : آية 4 ) والغالب أنه سها ، ولكل جواد كبوة ، ولكل عالم هفوة . قلت : كل منهما أبعد . أما الأول فلأن لفظة " أجمعين " ترد عليه ؛ لأنه أكده بها ، فالتأكيد يقطع احتمال المجاز ، وإطلاق الجمع وإرادة الواحد مجاز . ونصره بعضهم بأن قوله : " أجمعين " باعتبار صورة اللفظ ، ورد عليه بأن أجمعين لفظ معنوي ينافي أن يخص قوله : " رسلا وأنبياء " بطائفة معينة منهم . وأما الثاني : فإنه نسبه إلى السهو ، وهو ليس بجواب ، بل الجواب هاهنا بوجهين : أحدهما : أن المصنف - رَحِمَهُ اللَّهُ - قصد من ذلك المبالغة ، والبلاغة في ذلك لما فيه من ذكره - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مرتين ؛ لأنه دخل أولا في قوله " رسلا " ؛ لأنه من جملة المرسلين بل سيدهم وأشرفهم ، وأفضلهم ثم دخل ثانيا في قوله : " وأنبياء " ؛ لأن كل مرسل نبي فيكون ذكره مرتين ، وإن كان ضمنا ، أبلغ من ذكره مرة واحدة صريحا ، والتضمين أبلغ من التصريح ؛ لأن الاعتماد في الصريح على اللفظ ، والدلالة منه ، وفي التضمين على الفعل ، والدلالة من جهة ، وبين الدليلين والدلالتين فرق كبير . والثاني : ما سنح في خاطري من الأنوار الإلهية في الجواب القاطع الذي ليس وراءه شيء ، وهو أن المصنف إنما لم يصرح باسم النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في الصلاة عليه بل أضمره ليكون ذلك من باب الإضمار والإبهام ، وهو طريق من طرق البلاغة ؛ لأن فيه إشارة إلى علو شأنه ، وارتفاع قدره ، وتفخيم فضله على ما لا يخفى على أحد ، لما فيه من الشهادة على أنه المشهور الذي لا يشتبه ، والمبين الذي لا يلتبس ، كما أضمره الله تعالى في قوله : { تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ } [ البقرة : 253 ]
البناية شرح الهداية — صفحة 117 | العيني