تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البناية شرح الهداية — صفحة 106

مساهمون:

ص١٠٦
شرح
أنه إنما يتجه الابتداء بالحمد لو لم يكتب في الأول البسملة ، وكيف لا ، وحال المسلم ينافي قصدا ترك البسملة ؟ . والآخر : أن الكتاب العزيز لم يستفتح بالحمدلة ؛ لأن الترتيب فيه إما بالنظر إلى النزول على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أو بالنظر إلى الترتيب العثماني ، فإن كان الأول فلا ثم أنه لم يستفتح بالحمد بل بسورة العلق والمدثر على الاختلاف ، وإن كان الثاني فهو استفتح بالبسملة قطعا . قلت : المراد من القول : " اقتداء بالكتاب العزيز المستفتح هكذا " بالنظر إلى ما تقرر عليه استفتاح الكتاب ، فكان مطابقا لترتيبه في الابتداء بالبسملة والثني بالحمدلة . " والباء " في بسم الله للاستعانة ، وهي الداخلة عل آلة الفعل ، نحو : كتبت بالقلم ، ونجرت بالقدوم ؛ لأن الفعل لا يتأتى على الوجه الأكمل إلا بها ، لأن المؤمن لما اعتقد أن فعله لا يصير معتدا به حسب الشرع ، ولا موافقا في السنة حتى يذكر الله وإلا لكان فعلا كأي فعل ، لذلك جعل متقولا بسم لله كما يفعل الكاتب بالقلم ، ويجوز أن يتعلق باقرأ تعلق الدهن بالإنبات في قَوْله تَعَالَى : { تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ } [ المؤمنون : 20 ] على معنى نتبرك باسم الله وأقرأ . وكذلك قول الداعي للعرس : بالرفاء والبنين . وهذا الوجه أقرب وأحسن . وعرفت أن الفعل الذي تعلق به الباء على الاسم محذوف ، حذف لدلالة الحال عليه ، والمعنى : بسم الله أقرأ ، أقرأ : أتلو لأن الذي يتلوه مقروء ، كما أن المسافر إذا حل أو ارتحل قال : بسم الله والبركات ، كأن المعنى : بسم الله أحل وبسم الله أرتحل متبركا به . وكل فاعل يبدأ فيه باسم الله كان مضمرا بما جعل التسمية مبتدأ له . واعلم أن الظرف أعني " باسم " في الوجه الأول على الإلغاء ، وفي الوجه الثاني على الاستقرار ومحله منصوب على الحال ، والعامل هو الفعل المحذوف ، وإذا قدرنا : ابتدائي بسم الله كان محلها الرفع ، والباء على هذا متعلقة بالخبر المحذوف هو نائب عنه كأنه قيل : ابتدائي ثابت أو مستقر بسم الله ونحو ذلك . فإن قلت : لم لا يتعلق بابتدائي ؟ . قلت : لا يجوز ذلك ؛ لأنه مصدر ، فلو تعلقت به لدخلت في صفاته ، وبقي المبتدأ بلا خبر ، وذلك أن المصدر إذا كان بمعنى : " أن فعل " و " أن يفعل " احتاج إلى صلة . ونقل بعضهم عن البصريين أن تقديره : أول ما ابتدأته به بسم الله ، ولا يجوز أن يتعلق الباء في هذا الوجه بأبدأ ؛ لأنه في صلة ما ، وما تعلق بالموصول لا يجوز أن يكون خبرا ، فتكون الباء متعلقة بمحذوف وهو خبره . وعن الكسائي أن الباء زائدة ؛ لأن الباء لا تعلق بشيء ، وموضع " الله " وقع تقديره وأول ما أبدأ به : اسم الله . وزيادة الباء في خبر المبتدأ عزيزة جدا لا تكاد توجد إلا ما حكي عن الأخفش : الباء في قَوْله تَعَالَى : { جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا } [ يونس : 27 ] م : ( يونس : آية 27 ) ، والتقدير : مثلها ، بدليل