تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البناية شرح الهداية — صفحة 55

مساهمون:

ص٥٥
ويخطب خطبتين يفصل بينهما بقعدة وبه جرى التوارث .
شرح
أي بكون الخطبة قبل الصلاة وردت السنة عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، يمكن أخذ هذا في حديثين ، أحدهما حديث السائب بن زيد ، رواه البخاري عنه قال : « كان الأذان على عهد رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وأبي بكر وعمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - يوم الجمعة حين يجلس الإمام ، فلما كان عثمان - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وكثر الناس أمر بالأذان الثاني على الزوراء ، » ووجهه أن الأذان لا يكون إلا قبل الصلاة ، فإذا كان حين يجلس الإمام على المنبر للخطبة دل على أن الصلاة بعد الخطبة . والآخر « حديث أبي موسى الأشعري أخرجه مسلم عنه قال لي ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - : أسمعت أباك يحدث عن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في شأن ساعة الجمعة ، قال : قلت : نعم ، سمعته يقول : سمعت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول : " هي ما بين أن يجلس الإمام إلى أن يقضي الصلاة » ، قال أبو بردة : يعني على المنبر . م : ( ويخطب خطبتين يفصل بينهما بقعدة ) ش : مقدار ثلاث في ظاهر الرواية ، وقال الطحاوي مقدار ما سمي موضع جلوسه على المنبر . م : ( وبه جرى التوارث ) ش : أي بالفصل بين الخطبتين بقعدة جرى التوارث ، يعني هكذا فعل النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - والأئمة من بعده إلى يومنا هذا ، ولفظ التوارث إنما يستعمل في أمر له خطر وشرف ، يقال توارث المجد كابرا عن كابر ، أي كبيرا عن كبير في القدر والشرف ، وقيل : هي حكاية العدل عن العدل ، فإن القيام فيها ، والفصل بين الخطبتين بقعدة متوارث . وقال ابن المنذر : اختلفوا فيه ، « وكان عطاء بن أبي رباح يقول : ما جلس رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على المنبر حتى مات ، وما كان يخطب إلا قائما » وأول من جلس عثمان - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - في آخر عمر زمانه حين كبر ، فكان يجلس هنيهة ثم يقوم ، وكان المغيرة بن شعبة إذا فرغ المؤذن قام فخطب ولا يجلس حتى ينزل . قال : والذي عليه عمل الناس ما تفعله الأئمة اليوم ، ثم هذه القعدة عندنا للاستراحة وليست بشرط ، وقال الشافعي : إنها شرط . وقال شمس الأئمة السرخسي : الدليل على أنها للاستراحة لا للشرط حديث جابر بن سمرة « أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يخطب قائما خطبة واحدة ، فلما أسن جعلها خطبتين بينهما جلسة » ففي هذا دليل على أنها للاستراحة لا للشرط . قلت : هذا الحديث غريب ، وهو عن ابن عباس برواية الحسن بن عمارة ، وقال ابن العربي : وهو ضعيف . ثم الخطبة الواحدة تجوز عندنا وهو مذهب عطاء ومالك والأوزاعي وإسحاق وأبي ثور . وقال ابن المنذر : أرجو أن تجزئه خطبة واحدة ، وقال أحمد : لا تكون الخطبة إلا كما خطب النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - .