تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إعلام الناس بما وقع للبرامكة مع بني العباس ( نوادر الخلفاء ) — صفحة 256

مساهمون:

ص٢٥٦
نفاراً وإباء ، فمشى الوزير وذلك القائد إلى القاضي وقال : إني تزوجت فلانة بنت فلان على هذا الصداق ، وهؤلاء شهدوا عليه ، ثم قد ناكرني وأنكر الشهود ، وقد أردت أن أدفع له حق ابنته وآخذها . فأمر القاضي بإحضار الشهود فشهدوا عنده وأحضر مال النقد بين يدي القاضي ، والرجل على إنكاره متماد ، فأمر القاضي بإمضاء الحكم عليه ، وأن تؤخذ ابنته منه أحب أو كره ، وأمر بحمل المال إليه ، فلما وصلت الجارية عند الوزير ، لم يزل أبوها يروم الوصل إلى المعتصم . وكان المعتصم غليظ الحجاب لا يصل إليه أحد من غير الخاصة ، فقيل للرجل أنه يحضر كل يوم ساعة من النهار على بنيانٍ له بقصره ، فإن استطعت أن تكون مع جملة رجال الخدمة تصل إليه وتكلمه بما أردت . ففعل الرجل ذلك وغير شكله ، ودخل في جملة رجال الخدمة للبناء ، فلما كان ذلك الوقت الذي كانت عادة أمير المؤمنين المعتصم يقف فيه على ذلك البناء خرج ذلك الرجل فترامى إلى الأرض وجعل يحثو التراب على رأسه ويستغيث ، فسأله عن شأنه فقص عليه القصة ، فأرسل المعتصم في ذلك المقام ، خلف ذلك القائد وأغلظ عليه في القول ، فحملته هيبته له ، وقلة إقدامه على الكذب عليه ، أن وصف له الصورة على ما كانت عليه ، وهو يطمع أن يعذره في ذلك ، إذ قد جعل لها من الصداق ما هو فوق قيمة قدرها ، وأمر بإحضار الشهود فصنعوا مثل صنيع صاحبهم وذلك كله رهبة له وإجلالاً أن يخاطبوه بكذب مع تخيلهم أنه يصفح لهم عن هذه الزلة إذ قد أرادوا إحياء نفس ذلك الوزير ، وأيضاً قد دفع له بين يدي القاضي نقداً لا يكون إلا في صدقات الملوك ، وقد جعل لها من الصداق ما هو فوق قيمة قدرها ، فكأنه قد أخذها بحقها أو بأكثر من حقها . فلما تحققت عنده جلية الخبر أمر أن يصلب كل شاهد منهم على باب داره ، وأن يوضع ذلك الوزير في جلد ثور طري السلخ ، ويضرب بالمرازب حتى يختلط عظمه ولحمه ودمه ، ثم أمر به ، لما صنع به ذلك ، أن يفرغ بين يدي نمور كانت عنده ، فلما لعقت تلك النمور ذلك الدم أمر الرجل أبا البنت أن يأخذ ابنته ويأخذ كل ما ذكروا لها على ذلك الوزير في صداقها من عقار ودور ومال . ثم مات المعتصم وولي ابنه المقتدر وكان صبياً صغير السن ، فعادت الأتراك إلى ما كانت عليه من ذلك ، والله تعالى أعلم .
إعلام الناس بما وقع للبرامكة مع بني العباس ( نوادر الخلفاء ) — صفحة 256 | محمد دياب الإتليدي / محمد أحمد عبد العزيز سالم