تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إعلام الناس بما وقع للبرامكة مع بني العباس ( نوادر الخلفاء ) — صفحة 255

مساهمون:

ص٢٥٥
خلافة أمير المؤمنين المعتصم بالله أحمد كان يسمى السفاح الثاني لأنه جدد ملك بني العباس بعد أن أخلقته الأتراك وأذلته ، وفي ذلك يقول علي بن العباس الرومي : كما بأبي العباس أنشيء ملككم . . . كذا بأبي العباس أيضاً يجدد ولقد اتفق في أيامه ، على ما حكي ، أمر فظيع كشفه الله له بهيبته في نفوس الناس ، فإنه كان لا يتجرأ أحد منهم أن يكتم ما في نفسه مخافة صولته لأنه كان لشدة حذقه ، يتخيل لهم أنه يعلم ما في نفس الإنسان من الضمير . فاتفق أن أحد وزرائه وأكبر قواده بني بناء عالياً مشرفاً على منازل جيرانه ، فلم يعارضه أحد فيه من جيرانه لمكانته من سلطانه وعزه ، وكان يجلس كثيراً في ذلك البناء ، فرأى يوماً من الأيام في دار من دور جيرانه جارية بارعة الجمال ، فولع بها ، فسأل عنها ، فأخبر أنها بنت أحد التجار ، فأرسل إلى والدها خاطباً ، فقال له أبوها ، وكان من أهل اليسار : لست أزوجها إلا من تاجر مثلي ، فإنه إن تزوجها من هو مثلي لم يظلمها ، وإن ظلمها قدرت على النصفة منه ، وأنت إن ظلمتها لم أقدر لها على النصفة منك ، ولا على الحيلة لنصرتها . فلم يزل يرومه في ذلك بكل أمر وتوسط إليه بالأكابر والأماثل من الناس ، وهو مع ذلك يمتنع ، فلما يئس منه أن يجيبه ، شكا إلى أحد خواصه فقال له : ألف مثقال يقوم لك هذا . فقال : كيف ذلك ؟ والله لو علمت أني أنفق عليها مائتي ألف مثقال أو أكثر وتأتيني بها لفعلت . قال له : عليك أن تحضر لي ألف دينار . فأمر بإحضارها فمشى بها ذلك الرجل إلى عشرة رجال كانوا عدولاً عند القاضي في شهادتهم ، وذكر لهم الأمر ، وقال : هذا أمر ليس عليكم من الله فيه تبعة ، فإنه يصدقها كذا وكذا ألفاً ، وأغلى لهم المهر ، وإنكم تحيون نفساً أشرفت على الهلاك ، ويكون لكم عنده مع هذا من الجاه ما ترغبون ، وأبوها إنما هو عاضل لها عن الزواج ، وإلا فما يمنعه من ذلك ، وقد خطبها مثل فلان في جلالة قدره ومكانة أمره ، وقد أعطاه صداقاً لا يعطى إلا لبنت ملك ثم هو مع هذا يأبى ، هل هذا إلا عضل بين ؟ ولكن لكم ألف مثقال لك واحد منكم مائة وتشهدون أنه قد زوجها به فإنه إذا علم أبوها بأنكم قد شهدتم عليه رجع إلى هذا إذ ليس فيه إلا الخير والخيرة . فأخذ الشهود كل واحد منهم مائة وشهدوا أن أباها زوجها على صداق مبلغه كذا ، ورفعوا في الصداق إلى غاية ما ترفع إليه صداقات الملوك ، فلما علم أبوها بذلك زاد