تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إعلام الناس بما وقع للبرامكة مع بني العباس ( نوادر الخلفاء ) — صفحة 253

مساهمون:

ص٢٥٣
الله وقدره . ثم التفت إلى نرجس وقال : لقد شاهدت مني ومن هذه الجارية ما شهد قلبك علينا بالمحبة والمودة والألفة ، وليس يخفى عن علمك أن صنائع المعروف تقي مصارع السوء . ومثلك من يصنع المعروف مع مثلي فخذها وامض بها إلى أمير المؤمنين ، وقل ما شئت مما يليق بمروءتك . ثم التفت إليها وقبلها وبكى وبكت وبكى نرجس . ثم أخذها وخرج وهي تبكي وتخمش خدها ووجهها . قالت : ثم حملني نرجس على بغلة أمير المؤمنين وسار حتى دخل على المتوكل . فلما رآه قال : ما وراءك يا نرجس . ؟ قال : ورائي يا أمير المؤمنين كل بلية . ثم إنه جلس بين يديه وقص عليه حالهما ولم يخف شيئاً . فقال المتوكل : وكل هذا الوجد يجده محمد من هذه الجارية ؟ فقال : يا أمير المؤمنين والذي خفي أكثر مما ظهر وما أظنه يعيش بعدها . فرق عليه قلب المتوكل وقال : يا نرجس ارجع بها إليه الساعة من وقتك ، هذا وأدركه قبل أن تزهق روحه ، وقد أمرت له بمائة ألف درهم ، ولها مع ذلك مثله ، وجعلت أمر بي سويد إليه يصنع به ما يشاء . ثم كتب له توقيعاً بذلك ودفعه إلى نرجس ، فرجع الخادم بالجارية والتوقيع ولم يتمهل حتى دخل عليه فوجده عرياناً يتقلب على حصر سامان من شدة الكرب والوجد ، وقد أحدقت به الجواري يروحنه بالمراوح . فقال : أبشر يا محمد ، إن أمير المؤمنين قد رد جاريتك عليك من غير أن يوقع نظره عليها ، وقد حكمك في أبي سويد . ثم ناوله التوقيع بذلك ودخلت الجارية عليه ، فوثب إليها وعانقها وقبلها ساعة . ثم خرج فجلس على باب داره وبعث إلى أبي سويد ، فلما حضر دفع إليه التوقيع ، فلما قرأه قال : أعوذ برضاك من سخطك وبعفوك من عقوبتك ، وأن تهدم مني ركناً أنت شيدته ، وأن تضيع صنيعة اصطنعتها إلى مثلي ، فمثلي من هفا ومثلك من عفا . ثم قام وقبل البساط فقال له محمد : لا أبدل نعمة الله كفراً ثم أمر به بخمسين ألف درهم فقالت الجارية : وأنا أيضاً أهب له خمسين ألف درهم مما وهبه لي أمير المؤمنين ، شكراً لله تعالى على ذلك . ثم أقره على ما كان عليه ، وأمر أن يحمل المال بين يديه إلى منزله ، ورجع محمد والجارية إلى ما كانا عليه في أطيب عيش وأحسن حال متظاهراً بذلك غير مستتر ولا خائف ، انتهى .
إعلام الناس بما وقع للبرامكة مع بني العباس ( نوادر الخلفاء ) — صفحة 253 | محمد دياب الإتليدي / محمد أحمد عبد العزيز سالم