تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إعلام الناس بما وقع للبرامكة مع بني العباس ( نوادر الخلفاء ) — صفحة 12

مساهمون:

ص١٢
فإذا شيخ قد زمجر ، وزفر ، وتسور الحائط ، وظهر وفي يده اليمنى حجر ، يتهادى كالليث إذا خطر ، فضرب الفحل بذلك الحجر ، فقتله وأصاب مقتله . فلما رأيت الفحل قد سقط لجنبه وانقلب ، توقدت في جمرات الغضب ، فتناولت ذلك الحجر بعينه ، فضربته به ، فكان سبب حينه ، ولقي سوء منقلبه ، والمرء مقتول بما قتل به بعد أن صاح صيحة عظيمة ، وصرخ صرخة أليمة فأسرعت من مكاني فلم يكن بأسرع من هذين الشابين ، فأمسكاني وأحضراني كما تراني . فقال عمر : قد اعترفت بما اقترفت ، وتعذر الخلاص ، ووجب القصاص ، ولات حين مناص . فقال الشاب : سمعاً لما حكم به الإمام ، ورضيت بما اقتضته شريعة الإسلام ، لكن لي أخ صغير ، كان له أب كبير ، خصه قبل وفاته بمالٍ جزيل ، وذهب جليل ، وأحضره بين يدي ، وأسلم أمره إلي ، وأشهد الله علي ، وقال : هذا لأخيك عندك ، فاحفظه جهدك ، فاتخذت لذلك مدفناً ، ووضعته فيه ، ولا يعلم به إلا أنا ، فإن حكمت الآن بقتلي ، ذهب الذهب ، وكنت أنت السبب ، وطالبك الصغير بحقه ، يوم يقضي الله بين خلقه ، وإن أنظرتني ثلاثة أيام ، أقمت من يتولى أمر الغلام ، وعدت وافياً بالذمام ، ولي من يضمنني على هذا الكلام . فأطرق عمر ، ثم نظر إلى من حضر ، وقال : من يقوم على ضمانه والعود إلى مكانه ؟ قال : فنظر الغلام إلى وجوه أهل المجلس الناظرين ، وأشار إلى أبي ذَرّ دون الحاضرين ، وقال : هذا يكفلني ويضمنني . قال عمر : يا أبا ذر ، تضمنه على هذا الكلام ؟ قال : نعم ، أضمنه إلى ثلاثة أيام . فرضي الشابان بضمانة أبي ذرّ وأنظراه ذلك القدر . فلما انقضت مدة الإمهال وكاد وقتها يزول أو قد زال ، حضر الشابان إلى مجلس عمر والصحابة حوله كالنجوم حول القمر ، وأبو ذرّ قد حضر والخصم ينتظر . فقالا : أين الغريم يا أبا ذرّ ؟ كيف يرجع من فر ، لا تبرح من مكاننا حتى تفي بضماننا . فقال أبو ذَرّ : وحق الملك العلام ، إن انقضى تمام الأيام ، ولم يحضر الغلام ، وفيت بالضمان وأسلمت نفسي ، وبالله المستعان .