تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني — صفحة 6366

مساهمون:

ص٦٣٦٦
تعلُّقَ التصرفِ والتدبيرِ ، غيرُ متصلٍ به . وعلى هذا اتفق أهل هذا الفنِّ ومن وافَقَهم من الحكماء ، ومن أهل علم اللطيفِ المجعولِ مقدمةً لكثير من العلوم . فتقرَّر بهذا أنه لا يصح أن يكون أصلاً في ما تركبت منه الذات ، وإن أرادوا الثالث : فيقال لهم : ما الذات التي كان هذا الذاتي جزءًا مفهومًا ؟ فإنا قد علمنا اتفاق أهل المعقولِ على انحصار الموجوداتِ الحادثة في الجواهر والأعراضِ ، وعلمنا اتفاقَهم على أن الجواهر هو ماهيةٌ ما إذا وجدت كانت لا في موضوع ، وعلى أن العَرَضَ هو ماهية ما إذا وجدت كانت في موضوع فما هي هذه الذات التي جعلتْه الذاتي هو ما كان جزءًا لمفهومِها ؟ فإن قالوا : إن علمهم هذا هو إنما هو في الكلام على الكليَّاتِ [ 1 أ ] ، ولا يتكلمون على الأمور المتشخصة بوجه من الوجوه . قلنا : فَمِنْ أين عرفتم أن بعض المتعلِّقاتِ بذلك الكلي ذاتيِ له ، وبعضها عَرَضيٌّ له ؟ وما الذي استفدتم منه هذا حتى جعلتم النطق ذاتيًّا لتلك الماهية الكلية دون ما يشارُكُه في كونه في كونه ماهيةً ما إذا وجدت كانت في موضوعٍ ؟ مع أن هذا الحدَّ الذي اتفقتم عليه في كونه مفهومَ العرضِ يصدقُ على النطق الذي جعلتموه ذاتيًّا كما يصدق على الخاصَّة والعَرَضِ العامِّ . وبهذا يتقرر لك أنَّ جَعْلَ بعض المتعلقاتِ ذاتيًّا وبعضِها عرضيًّا ، وإدخالَ النطقِ في الذاتياتِ مجرَّدُ دعوى لم يقم عليها برهانٌ ، ( 1 ) مع كونهم زاعمينَ أن هذا العلم هو الذي
هامش
( 1 ) قال ابن تيمية في ( الرد على المنطقيين ) ( ص 62 - 63 ) : الوجه السادس التفريق بين ( الذاتي ) و ( العرضي ) باطل : أن يقال : المفيد لتصور الحقيقة عندهم هو الحد التام وهو ( الحقيقي ) وهو المؤلف من الجنس والفصل من ( الذاتيات ) المشتركة والمميزة دون ( العرضيات ) التي هي ( العرض العام ) و ( الخاصة ) والمثال المشهور عندهم أن الذاتي المميز ل‍ ( الإنسان ) الذي هو الفصل هو ( الناطق ) والخاصة هي ( الضاحك ) . فنقول : مبني هذا الكلام على الفرق بين ( الذاتي ) و ( العرضي ) . وهم يقولون : المحمول الذاتي داخل في حقيقة الموضوع - أي : الوصف الذاتي داخل في حقيقة الموصوف بخلاف المحمول العرضي ، فإنّه خارج عن حقيقته . ويقولون : ( الذاتي ) هو الذي تتوقف الحقيقة عليه بخلاف العرضي . ويقسمون العرضي إلى ( لازم ) و ( عارض ) واللازم إلى ( لازم لوجود الماهية دون حقيقتها ، كالظل للفرس ، والموت للحيوان وإلى لازم للماهية كالزوجية والفردية للأربعة والثلاثة ) . والفرق بين لازم الماهية ولازم وجودها أن لازم وجودها يمكن أن تعقل الماهية موجودة دونه بخلاف لازم الماهية ، لا يمكن أن يعقل موجودًا دونه . وجعلوا له خاصة ثانية وهو أن الذاتي ما كان معلولاً للماهية بخلاف اللازم ، ثم قالوا : من اللوازم ما يكون معلولاً للماهية بغير وسط ، وقد يقولون ما كان ثابتًا لها بواسطة ، وقالوا أيضًا : الذاتي ما يكون سابقًا للماهية في الذهن والخارج بخلاف اللازم فإنه ما يكون ثابتًا . فذكروا هذه الفروق الثلاثة ، وطعن محققوهم في كل واحد من هذه الفروق الثلاثة وبينوا أنّه لا يحصل به الفرق بين ( الذاتي ) وغيره . ? قال ابن تيمية في كتابه ( درء تعارض العقل والنقل ) ( 3 / 321 ) : بل الذي عليه نظَّار الإسلام أن الصفات تنقسم إلى : لازمة للموصوف لا تفارقه إلا بعدم ذاته ، وإلى عارضة لم يمكن مفارقتها له مع بقاء ذاته . وهذه اللازمة منها : ما هو لازم للشخص دون نوعه وجنسه ، ومنها ما هو لازم لنوعه أو جنسه . وأما تقسيم اللازمة إلى ذاتي وعرضي وتقسيم العرضي إلى لازم للماهية ولازم للوجود ، وغير لازم بل عارض فهذا خطأ عند نظار الإسلام وغيرهم . بل طائفة نظار الإسلام قسموا اللازم إلى : ذاتي ومعنوي وعنوا بالصفات الذاتية : ما لا يمكن تصور الذات مع عدمه ، وعنوا بالمعنوي : ما يمكن تصور الذات بدون تصوره ، وإن كان لازمًا للذات فلا يلزمها إلا إذا تصور معينًا يقوم بالذات . فالأول : عندهم مثل كون الرب قائمًا بنفسه وموجودًا . والثاني : عندهم مثل كونه حيًّا وعليمًا وقديرًا . . .