وإذا كان الأمر هكذا فمن ذا الذي يتعقّل ذاتياتِ هذه الكلياتِ التي لا وجود لها ، ويميَّز بينها وبين عرضِيَّاتِها .
ولقد أصاب جماعةٌ من أكابر أهل هذا الفن حيث قالوا : الوقوف على الذاتياتِ متعسِّرٌ بل متعذِّرٌ ، ( 1 ) وآخر من نقلَ ذلك السيدُ الشريفُ الجرجانيُّ ، فظهر بمجموع ما ذكرناه أن هذا الفنَّ لا يستفادُ منه التصوراتُ ( 2 ) كما ينبغي ، فكيف يستفاد منه التصديقات ! والحمد لله أولا وآخرًا . والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله .
قال في الأصل : هكذا خطر ببال فحرَّر هذا البحث - عفى الله عنه - فليمعن النظر في ذلك من له فضل رغبةٍ في هذا الفنِّ .
هامش
( 1 ) انظر : ( الرد على المنطقيين ) ( ص 30 - 31 ) .
( 2 ) انظر ( درء تعارض العقل والنقل ) ، ( الرد على المنطقيين ) ( ص 88 - 90 ) لابن تيمية .
قال ابن تيمية في ( نقص المنطق ) ( ص 183 ) : لا ريب أن كلامهم كله منحصر في الحدود التي تفيد التصورات ، سواء كانت الحدود حقيقية أو رسمية أو لفظية وفي الأقيسة التي تفيد التصديقات سواء كانت أقيسة عموم وشمول أو شبه وتمثيل ، أو استقراء وتتبع . وكلامهم غالبه لا يخلو من تكلف إما في العلم وإما في القول ، فإما أن يتكلفوا علم ما لا يعلمونه : فيتكلمون بغير علم ، أو يكون الشيء معلومًا لهم فيتكلفون من بيانه ما هو زيادة وحشو وعناء وتطويل طريق ، وهذا من المنكر المذموم في الشرع والعقل قال تعالى : { قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ } . وقد ذم الله القول بغير علم في كتابه : { وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ } وهؤلاء كلامهم في الحدود غالبه من الكلام الكثير الذي لا فائدة فيه ، بل قد يكثر كلامهم في الأقيسة والحجج ، كثير منه كذلك وكثير منه باطل وهو قول بغير علم وقول بخلاف الحق .
أمّا الأول بأنهم يزعمون أن الحدود التي يذكرونها يقيدون بها تصور الحقائق ، وأن ذلك إنما يتم بذكر الصفات الذاتية المشتركة والمميزة حتى يركب الحد من الجنس المشترك والفصل المميز . وقد يقولون : إن التصورات لا تحصل إلا بالحدود ، ويقولون : الحدود المركبة لا تكون إلا للأنواع المركبة من الجنس والفصل دون الأنواع البسيطة .
انظر : تفصيل ذلك في ( نقص المنطق ) ( ص 184 ) وما بعدها .