وصفَه بالمضروب ، هل الفائدةُ أوقعَ [ 9 أ ] في القلوب ، ولمَ اختار لفظ الصُّرَّة على ما يقوم مقامَها ؟ بيّنوا سرَّه ، ولم قدَّم لفظ المرورِ على ما يرادفه مما على الألسنة يدورُ ، ولم جاء به مضارعًا دون ماضٍ ، وهل زمانه الحال ، أو الاستقبالُ ، أو الاستمرار ، وما عليهما من الاعتراض ، وهل المرور الانطلاق فكيفَ قيَّده به ، وتقييد الشيء بنفسِه منعَه الاتفاقُ ، وهل يصح الاستشهاد بهذا البيت للحشوِ والتطويلِ والإيجازِ ، وأين موضع كلِّ يا نبيل ؟
أقول : ما تأثير لفظ يألفُ فلدلالته على طول مدَّةِ البقاء مع المحبَّة كما هو شأن البخيلِ ، فإن دِرْهَمَهُ يألفُ صرَّته إلفًا لا يتفارقان عنده إلاَّ في النادرِ الشاذ ، فاثبت للممدوح صفةً تخالف صفةَ البخيل ، فإنْ قلتَ : نفي الألف الذي هو طول مدة البقاء مع المحبةِ قد دلَّ على أنَّ ذلك الدرهَم يلبثُ في صرة الممدوح لبثًا ليس بالطويلِ ، ومجرَّد اللبث يخالفُ الوصفَ المادحَ .
قلت : قد حصل المدح بمجرد عدم الألفِ ، وفرقٌ بين من يألفُ الدرهمُ صُرَّتهُ وقتًا يسيرًا ثم يخرج في وجوه الشرفِ ، وطرائق المجدِ ، وأيضًا قد عقب هذا الذي قلتَ أنه تقيد لبثًا ما بما يقلعُ ذلك الفهمَ من أصله ، ويجتثه من مغرسِهِ ، فقال لكن يمرُّ عليها وهو منطلقُ فأشْعَرَ هذا بأنه لا لُبْثَ له ظاهر ، فاندفع ما فهمتَه تلويحًا بما تعقبَّه تصريحًا .
قوله : ولمَ أتي الدرهم دون الدينارِ ؟ وجه ذلك لأنه لو جاء بالدينارِ لا نكسرَ الشعرِ ، ولا يطلبُ للشاعر نكتةٌ في تجنب اللفظِ الذي ينكسِرُ به شعرُه ، بل في تأثير لفظ على لفظ يفيدُه معناه ، ولا ينكسر البيتُ به [ 9 ب ] ، ثم لذكر الدرهمِ على تقدير أنه لا ينكسِرُ الشعر بالدينار وجهٌ واضح ، وهو كونُه قد تقدم ذكر الدرهم في البيت الذي قبلَه ، وهو قوله :
كأنَّا إذا اجتمعتْ يومًا دراهِمُنا . . . ظلَّت إلى طرقِ الخيرات تستبقُ
وقوله : وبلا دون ما ولم يجاب عنه بأنَّ لا موضوعةٌ لنفي المستقبلِ والحالِ ، وهو المعنى الذي يتأدّى به المدُح بنا ، لأنَّ ذلك يفيد أنه لم يألفْ صرَّتَه الدرهمُ في الحال ، ولا
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني — صفحة 6274
مساهمون: محمد بن علي الشوكاني
ص٦٢٧٤