تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني — صفحة 4308

مساهمون:

ص٤٣٠٨
النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - : " لو كسوتهما بعض أهلك " إعلامًا له بأن هذا كان كافيًا لو فعله ، وأن الأمر للندب . ولا يخفى ما في هذا من التكليف الذي عنه مندوحة ؛ لأن القضية لم تكن واحدة حتى يجمع بين الروايتين بمثل هذا ، بل هما قضيتان مختلفتان ، وغايته أنه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - في أحد القضيتين غلّظ عليه وعاقبه فأمره بإحراقهما ، ولعل هذه المرة التي أمره فيها بالإحراق كانت بعد تلك المرة التي أخبره فيها بأن ذلك غير واجب ، وهذا وإن كان بعيدًا من جهة أن صاحب القصة يبعد أن يقع منه اللبس للمعصفر مرة أخرى بعد أن سمع فيه ما سمع المرة الأولى ، ولكنه دون البعد الذي في الجمع الأول ؛ لأن احتمال النسيان كائن ، وكذا احتمال عروض شبهة توجب الظن بعدم التحريم ، ولا سيما وقد وقعت منه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - المعاتبة على الإحراق . قال القاضي عياض ( 1 ) [ 9 ] : " أمره - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - بالإحراق من باب التغليظ والعقوبة " انتهى . وأخرج مسلم ( 2 ) وأبو داود ( 3 ) والترمذي ( 4 ) والنسائي ( 5 ) عن علي - عليه السلام - قال : " نهاني رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - عن التختم بالذهب ، وعن لباس القسي ، وعن القراءة في الركوع والسجود وعن لباس المعصفر " وقد قيل : إن هذا النهي مختص بعلي عليه السلام ؛ ولهذا ثبت في رواية ( 6 ) عنه أنه قال : " ولا أقول نهاكم " ويجاب بأن
هامش
( 1 ) في " إكمال المعلم بفوائد مسلم " ( 6 / 589 ) . ( 2 ) في " صحيحه " رقم ( 2078 ) . ( 3 ) في " السنن " رقم ( 4044 ) . ( 4 ) في " السنن " رقم ( 1737 ) وقال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح . ( 5 ) في " السنن " ( 2 / 217 ) ( 8 / 167 - 168 ) وهو حديث صحيح . ( 6 ) " . . . . بأن ظاهر قوله : " نهاني " أن ذلك مختص به ؛ ولهذا ثبت في رواية عنه أنه قال : ولا أقول نهاكم . وهذا الجواب ينبني على الخلاف المشهور بين أهل الأصول في حكمه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على الواحد من الأمة هل يكون حكمًا على بقيتهم أو لا . والحق الأول ، فيكون نهيه لعلي وعبد الله نهيًا لجميع الأمة ، ولا يعارضه صبغه بالصفرة على تسليم أنها من المعصفر ؛ لما تقرر في الأصول من أن فعله الخالي عن دليل التأسي الخاص لا يعارض قوله الخاص بأمته . فالراجح : تحريم الثياب المعصفرة ، والعصفر وإن كان يصبغ صبغًا أحمر كما قال ابن القيم - زاد المعاد ( 1 / 136 ) - فلا معارضة بينه وبين ما ثبت في الصحيحين - تقدم من حديث البراء - من أنه " صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يلبس حلة حمراء " ؛ لأن النهي في هذه الأحاديث يتوجه إلى نوع خاص من الحمرة ، وهي الحمرة الحاصلة عن صباغ العصفر . وقال البيهقي في " معرفة السنن والآثار " ( 2 / 452 - 454 ) رادًا لقول الشافعي : إنه لم يحك أحد عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - النهي عن الصفرة إلا ما قال علي : " نهاني ولا أقول نهاكم " واعلم أن الأحاديث تدل على أن النهي على العموم ، ثم قال بعد ذلك : ولو بلغت هذه الأحاديث الشافعي - رحمه الله - لقال بها .