تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني — صفحة 4486

مساهمون:

ص٤٤٨٦
فهو بلا ريب أحد قضاة النار ( 1 ) ؛ لأنه إما أن يصادف حكمه الحق فهو حكم بالحق ، ولا يعلم أنه الحق ، أو يحكم بالباطل وهو لا يعلم أنه باطل ، وكلا الرجلين في النار ، كما ورد بذلك النص عن المختار ( 2 ) ، وأما قاضي الجنة فهو الذي يحكم بالحق ، ويعلم أنه الحق ، ولا شك أن من يعلم بالحق مجتهد لا مقلد . هذا يعرفه كل عارف ، فإن قال المقلد : إنه يعلم أن ما حكم به من قول إمامه حق ؛ لأن كل مجتهد مصيب ، فنقول له : هل أنت مقلد في هذه المسألة ؟ أعني أن كل مجتهد مصيب ، أم مجتهد ؟ فإن [ قال ] : كنت مقلدًا في هذه المسألة فقد جعلت ما هو محل النزاع دليلاً لك ، وهو مصادرة باطلة ؛ فإنك لا تعلم بأنها حق في نفسها فضلاً عن أن تعلم بزيادة على ذلك ، وإن كنت مجتهدًا في هذه المسألة فكيف خفي عليك أن المراد بكون كل مجتهد مصيبًا هو من الصواب لا من الإصابة ، كما أقر بذلك القائلون بتصويب المجتهدين ( 3 ) ، وحرروه في مؤلفاتهم المعروفة الموجودة بأيدي الناس ! وإذا كان
هامش
( 1 ) يشير إلى الحديث الذي أخرجه أبو داود رقم ( 3573 ) والترمذي رقم ( 1322 ) وابن ماجة رقم ( 2315 ) والبيهقي في " السنن الكبرى " ( 10 / 116 - 117 ) من طرق عن ابن بريدة عن أبيه عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال : " القضاة ثلاثة : قاضيان في النار وقاض في الجنة ، رجل قضى بغير الحق فعلم ذلك فذاك في النار ، وقاض لا يعلم فأهلك حقوق الناس فهو في النار ، وقاض قضى بالحق فذلك في الجنة " وهو حديث صحيح . ( 2 ) انظر التعليقة السابقة . ( 3 ) قال الزركشي في " البحر المحيط " ( 6 / 244 - 245 ) : قال ابن فورك في المسألة ثلاثة أقوال : أحدها : أن الحق في واحد وهو المطلوب ، وعليه دليل منصوب ، فمن وضع النظر موضعه أصاب ، ومن قصر عنه وفقد الصواب فهو مخطئ ولا إثم عليه ، ولا نقول إنه معذور ؛ لأن المعذور من يسقط عنه التكليف لعذر في تركه كالعاجز عن القيام في الصلاة ، وهو عندنا قد كلف إصابة المعين لكنه خفف أمر خطابه وأجر على قصده الصواب وحكمه نافذ على الظاهر . وهذا مذهب الشافعي وأكثر أصحابه وعليه نص في الرسالة ( ص 496 - 497 ) . الثاني : أن الحق واحد إلا أن المجتهدين لم يكلفوا بإصابته ، وكلهم مصيبون لما كلفوا من الاجتهاد وإن كان بعضهم مخطئًا . الثالث : أنهم كلفوا الرد إلى الأشبه على طريق الظن . وذهب قوم إلى أن الحق واحد والمخالف له مخطئ آثم ، ويختلف خطؤه على قدر ما يتعلق به الحكم ، فقد يكون كبيرة ، وقد يكون صغيرة ، ومن القائلين بهذا القول الأصم والمريسي وابن علية . والرأي الراجح هو الرأي الأول . " الفقيه والمتفقه " ( 2 / 60 ) ، " مجموع الفتاوى " ( 19 / 124 ) .
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني — صفحة 4486 | محمد بن علي الشوكاني / أبو مصعب « محمد صبحي » بن حسن حلاق