تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني — صفحة 3832

مساهمون:

ص٣٨٣٢
كما ذكرتَ ، فهذا غيرُ ما نحن بصدده ، فإن عمر حَمَى ذلك لخيل الجهادِ ، ومصلحةِ المسلمينَ ، ولم يُنْقَلْ عنه أنْ ضربَ حدودًا بين قريتين ، ومنع كلَّ جهة من مجاوزة ما ضربه بينهم ، وليس كلامُنا إلاَّ في هذا ، ولهذا سمَّينا الرسالة " عِقْدُ الجمانِ في شأنِ حدودِ البلدانِ " ( 1 ) والاسم يدلُّ على المسمَّى أقلَّ الأحوال . وقد أوضحنا الفرقَ فيما تقدم بين الحِمى وبين الحدود ، فلْيتأمَّلِ الشرفيُّ - أطال الله بقاءه - . وأما ما ذكره - كثر الله فؤائده - من الكلام في المرسل وأقسامِهِ فليرجِعْ إلى كتب الأصول ، وهي موجودة لديه ، وينظرْ ما ذكره الأئمةُ في تفسير كلِّ واحد منها ؛ فإنه إن أمعنَ النظرَ في ذلك كما ينبغي [ 5 ب ] عرفَ أن حدودَ البلدانِ ليست من قسم المناسبِ الملائِم ، ولا المؤثِّرِ ، ولا المرسلِ ، ولا الغريب ، بل من قسم المناسب الملغي . وقد أورد الأئمة لكل قسم منها أمثلةً متعددة ، ولا سيما في الكتب المطوَّلة ( 2 ) فلنكتف بمجرد الإحالة عليها ، وفي إنصافه - دمت فوائده - ما تغنينا عن إيراد الأمثلة . وأما ما أورده من أفعال عمرَ فيكفينا في جوابه أن نقولَ : ليس اجتهادُه حجةً ، ولا يجب الإنكارُ في الاجتهاد حتى يقال : لم يُنْكِرْ عليه الصحابةُ ، ولو كان مجرَّدُ ما يؤدي إليه الاجتهادُ مما يجبُ فيه الإنكارُ لأنكر الناسُ على كلِّ مجتهدٍ اجتهادُه ، ووجبَ عليهم ذلك ، ولا قائلَ به ، فمن سكت عن مجتهد في اجتهاده لا يُسْتَدَلُّ بسكوته على أن ذلك الاجتهادَ حقٌّ ، وما فعله عمرُ في الحِمى هو من مطارح الاجتهادِ ، وليس من المواضع التي بمسرحٍ للاجتهاد حتى يكون لما قاله أو فعلَه حُكْمُ الرفعِ ، وبعد هذا كلِّه فليس كلامُنا في الحمى ، إنما كلامنا في الحدودِ ، وبينَهما فرق قد تقدم تحريرُهُ . قوله : وحصولُ المفسدة بالتحجُّر أهونُ منها مع عدم التحجُّر .
هامش
( 1 ) رقم ( 119 ) . ( 2 ) انظر " الكوكب المنير " ( 4 / 153 ) و " المحصول " ( 5 / 158 ) ، " إرشاد الفحول " ( ص 710 - 720 ) " البحر المحيط " ( 5 / 153 وما بعدها ) .