ضُرِبَتْ بينهم الحدودُ ، فسُفِكَت الدماءُ ، وهُتِكَت الحُرُمُ ، ثم إن مولانا الشرفيّ - عافاه الله - يحتجُّ لهذه البدعةِ الساقطة المخالفة لما هو معلومٌ من الشريعة بحجةٍ لا يجري القلم بمثلها إلا في أمر معلوم بالضرورة الدينية ، أو الضرورة العقلية ، فيقول : إن ذلك قد دعت إليه حاجةٌ ضروريةٌ ، ولعمري ما كان يطمعُ الشكايذيُّ ببعض هذا ، وهو معذورٌ لقصور باعه عن النظر في الأدلة ، فما عُذْرُ الشرفي ! ونحن لا نشك أن الشكايذيُّ - رحمه الله - لو قال له قائلٌ : ماذا صنعتَ بنفسك ! خالفتَ الشريعةَ المطهَّرةَ ، وأوقعت الناسَ في الفتنة ، لما وَسِعَهُ إلاَّ الاعترافُ بالخطأ ، والرجوعُ عما فرَطَ منه ، فقد كان بمحلٍّ من الورع .
قوله : الجواب عنه من وجوه :
الأول : نفيُ العموم بعدَ وجود المخصِّص من وجهٍ ما .
أقول : الجوابُ عن هذا الوجه من وجوهٍ :
الأول : أنَّ ظاهرهُ أنّ العامّ إذا خُصِّصَ لم يبق متَّصفًا بالعموم ، وهو خلافُ ما أطبق عليه أهلُ الأصول ( 1 ) ؛ فإنَّ العامَّ وإن خُصِّصَ بمخصِّصاتٍ متعدِّدةٍ لا يخرجُ عن كونه عامًّا .
الوجه الثاني : الاستفسارُ للشرفي - عافاه الله - عن المخصِّص الذي زعمه ، وأبطلَ به دلالَة العمومِ ماذا هو ؟ فإن كان حديث : " من سبقَ . . . إلخ " فقد قدمنا أنه حجةٌ عليه لا له ، وإن كان العرفُ الذي زعمه ابن حابسٍ فقد قدمنا إبطاله ، وإن كان القياسُ المرسلُ الذي زعمه الشرفيُّ فقد أوضحنا فسَادَهُ .
الوجه الثالث : أن الشرفيَّ قامَ في مركز المنعِ ، وليس المقامُ مقامَ المنع ، بل المقامُ مقامُ الاستدلالِ ، ومركزُ المنعِ هاهنا بيد المتمسِّكِ بالعموم ، فيقول : أنا أمنعُ تخصيصَ العموم ، وأمنع عدمَ بقاء العموم على عمومِهِ ، وعلى مدَّعي التخصيص ، أو ذهابِ العمومِ
هامش
( 1 ) انظر : " تيسير التحرير " ( 1 / 242 ) ، " البحر المحيط " ( 3 / 159 ) .