تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني — صفحة 3196

مساهمون:

ص٣١٩٦
وأما سؤال السائل - عافاه الله - عن التنحي عن صدور المجالس لمن فيه خصلة فضل . فنقول : قد كان هدي السلف الصالح من الصحابة [ 2 ب ] فمن بعدهم أن يقعد الواصل منهم إلى مجلس من المجالس حيث ينتهي به المجلس ، وورد الأمر في الكتاب العزيز بأن يتفسح الجالسون لمن ورد إليهم إذا لم يبق له مجلس فيه . قال تعالى : ( إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ ) ( 1 ) وقال النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - فيما صح عنه : " لا يقم الرجل الرجل من مجلسه ويجلس فيه ، بل تفسحوا أو توسعوا " وهو في الصحيحين ( 2 ) وغيرهما ( 3 ) من حديث ابن عمر ، والمنهي
هامش
( 1 ) [ المجادلة : 11 ] . ( 2 ) أخرجه البخاري في صحيحه رقم ( 6270 ) ومسلم رقم ( 2177 ) . ( 3 ) كأحمد ( 2 / 89 ) وأبو داود رقم ( 4828 ) والترمذي رقم ( 2749 ) . قال القرطبي في " المفهم " ( 5 / 510 - 511 ) : نهيه عن أن يقام الرجل من مجلسه إنما كان ذلك لأجل : أن السابق قد اختص به إلى يقوم باختيار عند فراغ غرضه ، فكأنه قد ملك منفعة ما اختص به من ذلك ، فلا يجوز أن يحال بينه وبين ما يملكه ، وعلى هذا فيكون على ظاهره من التحريم . وقيل : هو على الكراهة . والأول أولى . ويستوي في هذا المعنى أن يجلس فيه بعد إقامته ، أو لا يجلس ، غير أن هذا الحديث خرج على أغلب ما يفعل من ذلك . فإن الإنسان في الغالب إنما يقيم الآخر من مجلسه ليجلس فيه ، وكذلك يستوي فيه يوم الجمعة - كما قال في رواية مسلم رقم ( 2178 ) - عن جابر عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " لا يقيمن أحدكم أحاه يوم الجمعة ثم ليخالف إلى مقعده فيقعد فيه ، ولكن يقول : افسحوا " لأنه اليوم الذي يجتمع الناس فيه ، ويتنافسون في المواضع القريبة من الإمام فليحق بذلك ما في معناه ، ولذلك قال ابن جريج : في يوم الجمعة وغيرها . ومن أدب التفسح في المجالس : قال القرطبي في " المفهم " ( 5 ) : هذا أمر للجلوس بما يفعلون مع الداخل وذلك : أنه لما نهى عن أن يقيم أحدا من موضعه تعين على الجلوس أن يوسعوا له ولا يتركوه قائما ، فإن ذلك يؤذيه ، وربما يخجله . وعلى هذا : فمن وجد من الجلوس سعة تعين عليه أن يوسع له . وظاهر ذلك أنه على الوجوب تمسكا بظاهر الأمر ، وكأن القائم يتأدى بذلك ، وهو مسلم ، وأذى المسلم حرام ويحتمل أن يقال : إن هذه آداب حسنة ، ومن مكارم الأخلاق ، فتحمل على الندب . وقد اختلف العلماء في قوله تعالى : ( إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ ) [ المجادلة : 11 ] . فقيل : هو مجلس النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كانوا يزدحمون تنافسا في القرب من النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . وقيل : هو مجلس الصف من القتال . وقيل : هو عام في كل مجلس اجتمع فيه المسلمون للخير ، والأجر ، وهذا هو الأولى إذا المجلس للجنس على ما أصلناه في الأصول . وأنظر : " فتح الباري " ( 11 / 63 - 64 ) .