يكون القيام من المجلس لمن له الفضلة غير موجودة في من قام له كراهة ولا إثم قام طيبة بذلك نفسه ، غير مكره ولا محمول على ذلك . فإن فعل هذا كان متأدبا بأدب حسن ، وإن ترك فهو أحق بمجلسه الذي سبق إليه ، لا يجوز لأحد أن يقعد فيه ، وقد صح عن رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - أنه : " إذا قام من مجلسه ورجع إليه فهو أحق به " كما في الحديث الصحيح الذي أخرجه مسلم ( 1 ) غيره ( 2 ) من حديث أبي هريرة مشروط بأن لا يكون وقع التأثير له بصدر المجلس راغبا في ذلك ، ومحبا له ، فإن كان كذلك فهو غير ناج من الإثم ، ولهذا قال النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - : " من أحب أن يتمثل الناس له صفوفا فليتبوأ مقعده من النار " ، وقال - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - : " لا تقوموا كما تقوم الأعاجم يعظم بعضهم بعضا " أخرجه أبو داود ( 3 ) ،
هامش
( 1 ) في صحيحه رقم ( 2179 ) .
( 2 ) كأبي داود رقم ( 48 53 ) وابن ماجة رقم ( 3717 ) وهو حديث صحيح .
( 3 ) في " السنن " رقم ( 5230 ) .
قلت : وأخرجه الترمذي رقم ( 2915 ) وأحمد ( 4 ، 100 ) من حديث معاوية وهو حديث صحيح .
قال ابن تيمية في " مجموع الفتاوى " ( 1 - 376 ) : لم تكن عادة السلف على عهد النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وخلفائه الراشدين : أن يعتادوا القيام كلما يرونه عليه السلام كما فعله كثير من الناس ، بل قد قال أنس بن مالك : لم يكن شخص أحب إليهم من النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وكانوا إذا رأوه لم يقوموا له ، لما يعلمون من كراهته لذلك ، ولكن ربما قاموا للقادم من مغيبه تلقيا له ، كما روي عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قام لعكرمة وقال للأنصار لما قدم سعد بن معاذ : " قوموا إلى سيدكم " وكان قد قدم ليحكم في بني قريظة لأنهم نزلوا على حكمه .
والذي ينبغي للناس : أن يعتادوا اتباع السلف على ما كانوا عليه على عهد رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فإنهم خير القرون ، وخير الكلام كلام الله وخير الهدي هدي محمد - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فلا يعدل أحد عن هدي خير الورى .
وهدي خير القرون إلى ما هو دونه ، وينبغي للمطاع أن لا يقر بذلك مع أصحابه ، بحيث إذا رأوه لم يقوموا له إلا في اللقاء المعتاد .
وإذا كان من عادة الناس إكرام الجائي بالقيام ولو ترك أعتقد أن ذلك لترك حقه أو قصد خفضه ولم يعلم العادة الموافقة للسنة فالأصلح أن يقام له ، لأن ذلك أصلح لذات البين ، وإزالة التباغض والشحناء وأما من عرف عادة القوم الموافقة للسنة : فليس في ترك إيذاء له . وليس هذا القيام المذكور في قوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " من سره أن يتمثل له الرجل قياما فليتبوأ مقعده من النار " فإن ذلك أن يقوموا له وهو قاعد ليس هو أن يقوموا المجيئه إذا جاء ولهذا فرقوا بين أن يقال قمت إليه وقمت له ، والقائم للقادم ساواه في القيام بخلاف القائم للقاعد . . . . " .
وقال النووي في " الترخيص في الإكرام بالقيام " ( ص 67 ) : الأصح والأولى والأحسن بل الذي لا حاجة إلى ما سواءه أنه ليس فيه دلالة ، وذلك أن معناه الصريح الظاهر منه الزجر الأكيد والوعيد الشديد للإنسان أن يحب قيام الناس له وليس فيه تعرض للقيام ، بنهي ولا غيره وهذا متفق عليه وهو أن لا يحل للآني أن يحب قيام الناس له ، والمنهي عنه هو محبته للقيام ، ولا يشترط كراهته لذلك ، وحضور ذلك بباله ، حتى إذا لم يخطر بباله ذلك فقاموا له أو لم يقوموا فلا ذم عليه .
وإذا كان معنى الحديث ما ذكرناه فمحبته أن يقام له محرمة ، فإذا أحب فقد ارتكب التحريم سواء قيم له أو لم يقم ، فمدار التحريم على المحبة ولا تأثير بقيام القائم ولا نهي في حقه بحال ، فلا يصح الاحتجاج بهذا الحديث . . " .
ونقل الحافظ ابن حجر في " الفتح " ( 11 - 54 ) جواب ابن الحاج على النووي فقال : واعترضه ابن الحاج بأن الصحابي الذي تلقى ذلك من صاحب الشرع قد فهم منه النهي عن القيام الموقع الذي يقام له في المحذور ، فصوب فعل من أمتنع من القيام دون من قام ، وأقروه على ذلك .
وكذا قال ابن القيم في " حواشي السنن " : في سياق حديث معاوية رد على من زعم أن النهي إنما هو في حق من يقوم الرجال بحضرته ، لأن معاوية إنما روى الحديث حين خرج فقاموا له ، ثم ذكر ابن الحاج من المفاسد التي تترتب على استعمال القيام أن الشخص صار لا يتمكن فيه من التفصيل بين من يستحب إكرامه وبره كأهل الدين والخير والعلم . أو يحوز كالمستورين . وبين من لا يجوز كالظالم المعلن بالظلم أو جر ذلك إلى ارتكاب النهي لما صار يترتب على الترك من الشر ، وفي الجملة حتى صار ترك القيام يشعر بالاستهانة أو يترتب عليه مفسدة امتنع . وإلى ذلك أشار ابن عبد السلام .
ونقل ابن كثير في تفسيره عن بعض المحققين التفصيل فيه فقال : المحذور أن يتخذ ديدنا كعادة الأعاجم كما دل حديث أنس ، وأما كان القادم من سفر أو لحاكم في حمل ولا يته فلا بأس به .
قلت : - ابن حجر - ويلتحق بذلك ما تقدم في أجوبة ابن الحاج كالتهنئة لمن حدثت له نعمة أو لإعانة العاجز أو لتوسيع المجلس أو غير ذلك والله أعلم .
وقال الغزالي : القيام على سبيل الإعظام مكروه وعلى سبيل الإكرام لا يكره " .