كون الله سبحانه توفى الجميع . أما الأموات فظاهر ، وأما الأحياء ففي حالة النوم ، وعند ذلك يتساءلون بينهم . وقد أخرج بقي بن مخلد ، وابن منده ( 1 ) في كتاب الروح ، والطبراني في الأوسط ( 2 ) من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس في هذه الآية قال : بلغني أن أرواح الأحياء والأموات تلتقي في المنام ، فيتساءلون بينهم ، فيمسك الله أرواح الموتى ، ويرسل أرواح الأحياء إلى أجسادها . ولا يخفاك أن ابن عباس - ر ! نه - لا يقول هذا من نفسه ، إذ لا مجال للاجتهاد فيه ، فله حكم الرفع .
وأخرج ابن أبي حاتم ( 3 ) عن السدي معناه .
وأخرج جويبر ( 4 ) عن ابن عباس في هذه الآية قال : سبب ممدود ما بين المشرق
هامش
( 1 ) عزاه إليه ابن كثير في تفسيره ( 7 / 101 ) .
( 2 ) ( 1 / 45 رقم 122 ) .
وأورده الهيثمي في المجمع ( 7 / 100 ) وقال : رواه الطبراني في الأوسط ورجاله رجال الصحيح .
( 3 ) في تفسيره ( 10 / 3252 رقم 13897 ) .
( 4 ) ذكره السيوطي في الدر المنثور ( 7 / 231 ) .
* قال ابن القيم في " الروح " ( ص 29 - 30 ) : الأقوال في هذه الآية : -
1 / القول الأول : أن الممسكة من توفيت وفاة الموت أولا ، والمرسلة من توفيت وفاة النوم ، والمعنى على هذا القول : أنه يتوفى نفس الميت فيمسكها ولا يرسلها إلى جسدها قبل بوم القيامة ، ويتوفى نفس النائم ثم يرسلها إلى جدها إلى بقية أجلها فيتوفاها الوفاة الأخرى .
2 / القول الثاني - في الآية - : أن الممسكة والمرسلة في الآية كلاهما توفى وفاة النوم فمن استكملت أجلها أمسكها عنده فلا يردها إلى جسدها ، ومن لم تستكمل أجلها ردها إلى جسدها لتستكلمه واختار شيخ الإسلام - ابن تيمية - هذا القول وقال : عليه يدل الكتاب والسمة . قال : فإنه سبحانه ذكر إمساك التي قضى عليها الموت من هذه الأنفس التي توفاها وفاة النوم ، وأما التي توفاها حين موتها فتلك يصفها بإمساك ولا بإرسال ، بل هي قسم ثالث .
والذي يترجح هو القول الأول لأنه سبحانه أخبر بوفاتين وفاة كبرى وهي وفاة الموت ، ووفاة صغرى وهي وفاة النوم ، وقسم الأرواح قسمين : قسما قضى عليها بالموت فأمسكها عمده وهى التي توفاها وفاة الموت وقسما لها بقية أحل فردها إلى جسدها إلى استكمال أجلها ، وجعل سبحانه الإمساك والإرسال حكمين للوفاتين المذكورتين أولا فهذه ممسكة وهذه مرسلة ، وأخبر أن التي لم تمت هذه التي توفاها في منامها ، فلو كان قد قسم وفاة النوم إلى قسمين : وفاة موت ، ووفاة نوم لم يقل { والتي لم تمت في منامها } فإنها من حين قبضت ماتت ، وهو سبحانه قد أخبر أنها لم تمت فكيف يقول بعد ذلك { يمسك التي قضى علتها الموت } ولمن نصر هذا القول أن يقول : قوله تعالى : { فيمسك التي قضى عليها الموت } بعد أن توفاها وفاة النوم ، فهو سبحانه توفاها أولا وفاة نوم ، ثم قضى عليها الموت بعد ذلك ، والتحقيق أن الآية تتناول النوعين ، فإله سبحانه ذكر وفاتين وفاة نوم ، ووفاة موت ، وذكر إمساك المتوفاه وإرسال الأخرى ومعلوم أنه سبحانه يمسك كل نفس ميت سواء مات في النوم أو في اليقظة ، ويرسل نفس من لم يمت . فقوله سبحانه & يتوفى الأنفس حين موتها ، يتناول من مات في اليقظة ومن مات في المنام .