التصريح بعد هذا فهو باقٍ على التجويز .
وذلك مناف لاعتبار السلامة في الحد . لا يقال أنه يجوز وجدان حافظ آخر لعلة لهذا الحديث ، فلا يكون صحيحًا ، لأنا نقول : فتح باب هذا التجويز يغلق باب التصحيح بالمرة . وإنما الواجب أن يبحث الحافظ فيصرح بأني لا أعلم له علة ، وليس بشاذ ، أو يصرح بالصحة ، لأن تصريحه بصحة الحديث في قوة الإخبار بخمس جمل ، وهو عدالة الناقلين ، وتمام ضبطهم ، واتصال سندهم ، والسلامة من الشذوذ [ 2 ] والعلة .
ثم أيد ما كنت أفهمه من أن العلة والشذوذ وإن كانا نادرين ؛ فلا يصح الحكم بالصحة ، هذا ما قاله إمام الفن ابن حجر ( 1 ) أنه لا يلزم من كون رجال الحديث ثقات أن يكون صحيحًا .
والحاصل أن من وقف على توثيق بعض الحفاظ لرواة حديث . فقال : الحديث صحيح ، فإما أن ينسب تصحيح إلى ثقة أو إلى ذلك الحافظ الذي نص على ثقة رواته .
إن نسبته إلى الحافظ ، فقد نقول عليه ما لم يقله ، وحمله ما لم يتحمله ، فإنه إنما أخبر بعدالة الرواة وضبطهم لا غير . فيتحمل شذوذ الحديث أو وجود علة له . ويحتمل أن ذلك الحافظ قد بحث فلم يجده شاذًا ولا علة له ، ويحتمل أنه لم يبحث . وإما أن ينسب تصحيحه إلى نفسه ، فإن كان مع أهليته وقوة معرفته قد بحث حتى كان الحديث لديه تصحيحه إلى نفسه ، فإن كان مع أهليته وقوة معرفته قد بحث حتى كان الحديث لديه سالمًا من العلة والشذوذ ؛ فلا مانع له من التصحيح ، وإن كان لم يقف إلا على مجرد توثيق الحافظ للرواة كما هي مسألة السؤال لم يجز له التصحيح ، لأن من أجاز التصحيح ( 2 ) اشترط أهلية المصحح بأن يكون متمكنًا قوي المعرفة ، وهذا الاشتراط إنما هو ليتمكن من معرفة علة الحديث ، وسلامته من الشذوذ ، وإلا فلا فائدة لهذا الاشتراط أصلًا ، بل كل من وقف على توثيق رجال سند صحيح الحديث ، سواء كان متمكنًا قوي المعرفة أولًا . وهذا شيء لم يقله أحد من أهل العلم إن شاء الله تعالى . فهذا الأمر الذي كان
هامش
( 1 ) تقدم قريبًا .
( 2 ) انظر : منهج النقد في علوم الحديث ( 280 ) .