تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني — صفحة 2083

مساهمون:

ص٢٠٨٣
والتضييق على النفس ( 1 ) ، لأنه إذا كان في مدينة من المدائن ، أو قرية من القرى فلا ريب أن الحلال موجود غير معدوم ، يمكن استخراجه بإخفاء السؤال والمبالغة في البحث ، ولا بد أن يوجد من هو بمحل من العدالة فيكون قوله مقبولا إذا قال ليس هذا الطعام الذي عندي أو الذي عند فلان من المال المنهوب ، ثم لو فرضنا أنه لم يبق في ذلك المحل من يعمل بقوله ، وكان المال المنهوب قد دخل منه على كل أحد نصيب ، فلا يعدم الإنسان في غير ذلك المحل ما يسد به رمقه مما لم يختلط بالطعام المنهوب ، كما كان يفعل النووي - رحمه الله - فإنه كان يتقوت مما يرسل به إليه والده من بلاده التي هي وطنه ومنشؤه ، نعم إذا لم يكن لهذا المتورع قدرة [ 18 ] على استخراج ما هو خالص عن شائبة الحرام من أهل بلده ، ولا يتمكن من استخراجه من غير بلاده ، واختلط المعروف بالإنكار ، ولم يبق له إلى الحلال المطلق سبيل ، وكان ذلك الاشتباه والاختلاط واقعا في نفس الأمر على مقتضى الشرع ، ولم يكن ناشئا عن الوسوسة التي هي من مقدمات الجنون ، كما نشاهده في وسوسة من ابتلي بالشك في الطهارة فلا بأس بعدوله إلى أكل العشب ، بشرط عدم تجويز الضرر والاقتدار على سد الرمق منه ، ولا ريب أن هذا هو ورع الورع ، وزهد الزاهد . وأما مع تجويز الضرر أو مع الاقتدار على سد الرمق منه فقد
هامش
( 1 ) أخرج البخاري رقم ( 5063 ) ومسلم رقم ( 1401 ) عن أنس رضي الله عنه قال : جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، يسألون عن عبادة النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فلما أخبروا كأنهم تقالوها ، وقالوا : أين نحن من النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ، قال أحدهم : أما أنا فأصلي الليل أبدا ، وقال الآخر : وأنا أصوم الدهر ولا أفطر ، وقال الآخر : وأنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدا . فجاء رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إليهم فقال : " أنتم الذين قلتم كذا وكذا ؟ أما والله إني لأخشاكم لله تعالى وأتقاكم له ، لكني أصوم وأفطر ، وأصلي وأرقد ، وأتزوج النساء ، فمن رغب عن سنتي فليس مني " .