بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الأمين ، وآله الطاهرين ، وبعد :
فإنه وصل هذا البحث من سيدي العلامة عماد الدين محمد بن مطهر بن إسماعيل بن يحيى بن الحسين بن الإمام القاسم - رضوان الله عليهم جميعا - وأقول : إن وجه وقوع الإشكال في هذا الحديث لجماعة من أهل العلم أنهم ظنوا أنه يدل على أن وقوع الذنوب من العصاة مطلوب للشارع ، وهذا تخيل مختل ، وفهم فاسد معتل ، فإن الحديث لا يدل على ذلك لا بمطابقة ، ولا تضمن ، ولا التزام . فإن قوله : " لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم . . . إلخ " . لا يدل إلا على أن هذا النوع الإنساني ( 1 ) باعتبار مجموعة لا
هامش
( 1 ) قال ابن الجوزي : " هفوات الطبائع البشرية لا يسلم منها أحد " . انظر : " فتح الباري " ( 11 / 101 ) .
قال ابن تيمية في " منهاج السنة " ( 2 / 431 ) : إذا ابتلي العبد بالذنب وقد علم أنه سيتوب منه ويتجنبه ، ففي ذلك من حكمة الله ورحمته بعبده أن ذلك يزيده عبودية وتواضعا وخشوعا وذلا ورغبة في كثرة الأعمال الصالحة ونفرة قوية عن السيئات .
وذلك يدفع عنه العجب والخيلاء ونحو ذلك مما يعرض للإنسان ، وهو أيضًا يوجب الرحمة لخلق الله ، ورجاء التوبة والرحمة لهم إذا أذنبوا وترغيبهم في التوبة .
وهو أيضًا يبين من فضل الله وإحسانه وكرمه ما لا يحصل بدون ذلك كما قال : - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " لو لم تذنبوا . . " .
وهو أيضًا يبين قوة حاجة العبد إلى الاستعانة بالله والتوكل عليه واللجء إليه في أن يستعمله في طاعته ويجنبه معصيته وأنه لا يملك ذلك إلا بفضل الله عليه وإعانته له ، فإن من ذاق مرارة الابتلاء وعجزه عن دفعه إلا بفضل الله ورحمته ، كان شهود قلبه وفقره إلى ربه واحتياجه إليه في أن يعينه على طاعته ويجنبه معصيته أعظم ممن لم يكن كذلك ، ولهذا قال بعضهم : كان داود - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بعد التوبة خيرا منه قبل الخطيئة . وقال بعضهم : لو لم تكن التوبة أحب الأشياء إليه لما ابتلى بالذنب أكرم الخلق عليه .
ولهذا تجد التائب الصادق أثبت على الطاعة وأرغب فيها وأشد حذرا من الذنب من كثير من الذين لم يبتلوا بالذنب .
وقد تكون التوبة موجبة له من الحسنات ما لا يحصل لمن يكن مثله تائبا من الذنب . فمن يجعل التائب الذي اجتباه الله وهداه منقوصا بما كان من الذنب الذي تاب منه ، وقد صار بعد التوبة خيرا مما كان قبل التوبة ، فهو جاهل بدين الله .
وانظر : " فتح الباري " ( 11 / 104 - 108 ) .