تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني — صفحة 1991

مساهمون:

ص١٩٩١
ذلك من الأسماء والصفات ( 1 ) . فلو فرضنا أن مجموع هذا النوع الإنساني لا يصدر من ذنب أصلا كانت هذه الإخبارات الإلهية باطلة ، وما استلزم الباطل باطل . وبيان الملازمة أنه إذا لم يوجد المذنب لم يوجد الشقي منهم . ولا الكافر ولا الفاجر ، ولا من هو من أهل النار . وأيضا لم يوجد من يستحق العفو عنه ، والرحمة له ، والانتقام منه ، والعقوبة له . وأما بطلان اللازم فظاهر ، فتقرر بهذا أن الحديث مسوق لبيان أن العصمة عن مجموع هذا النوع الإنساني ( 2 ) منتفية ، وأنهم على [ 2 ] ما حكاه الله في محكم كتابه ، وعلى لسان رسوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ومنهم المطيع ، ومنهم العاصي ، ومنهم من جمع بين الطاعة والمعصية ، وأنهم مظاهر الأسماء الحسنى والصفات المتضمنة للغضب والرضا ، والرحمة والعقوبة ، والنعيم
هامش
( 1 ) قال ابن القيم في مفتاح دار السعادة ( 2 / 261 ) : أنه سبحانه له من الأسماء الحسنى ، ولكل اسم من أسمائه أثر من الآثار في الخلق والأمر ، لا بد من ترتبه عليه كترتب المرزوق والرزق على الرازق ، وترتب المرحوم وأسباب الرحمة على الرحيم ، وترتب المرئيات والمسموعات على السميع والبصير . . . فلو لم يكن في عباده من يخطئ ويذنب ليتوب عليه ويغفر له ويعفو عنه لن يظهر أثر أسمائه الغفور والعفو والحليم والتواب ، وما جرى مجراها ، وظهور أثر هذه الأسماء ومتعلقاتها في الخليقة كظهور آثار الأسماء الحسنى ومتعلقاتها ، فكما أن اسمه الخالق يقتضي مخلوقا ، والباري يقتضي مبروءا ، والمصور يقتضي مصورا ولا بد ، فأسماؤه الغفار التواب تقتضي مغفورا له وما يغفره له كذلك من يتوب عليه ، وأمورا يتوب عليه من أجلها ، ومن يحلم عنه ويعفو عنه ، وما يكون متعلق الحلم والعفو ، فإن هذه الأمور متعلقة بالغير ومعانيها مستلزمة لمتعلقاتها . ( 2 ) قال ابن القيم في " مفتاح دار السعادة " ( 2 / 292 ) : إن الحكمة الإلهية اقتضت تركيب الشهوة والغضب في الإنسان ، وهاتان القوتان فيه منزلة صفاته الذاتية ، لا ينفك عنهما ، وبهما وقعت المحنة والابتلاء ، عرض لنيل الدرجات العلى ، واللحاق بالرفيق الأعلى ، والهبوط أسفل سافلين . . . والمقصود أن تركيب الإنسان على هذا الوجه هو غاية الحكمة ، ولا بد أن يقتضي كل واحد من القوتين أثره ، فلا بد من وقوع الذنب والمخالفات والمعاصي ، ولا بد من ترتب آثار هاتين القوتين عليهما ، ولو لم يخلقا في الإنسان لم يكن إنسانا ، بل كان ملكا ، فالترتب من موجبات الإنسانية ، كما قال النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون " .