استدرك الدارقطني ، وهو الحافظ الذي لم يكن له نظير على الشيخين في مواضع كثيرة حكى ذلك الشارحون لها ، وبهذا يتقرر أن نوع المعلل الذي منشؤه الوهم لا يرتفع عن الحديث الذي قد صححه إمام من أئمة الحديث ، أو إمامان ، أو ثلاثة أو أكثر ، لجواز أن يكون فيه علة لا يعرفها إلا من هو أحفظ منهم ، وأتقن . ولا يمتنع أن يبعث الله في زمن متأخر من هو أحفظ من أهل الأزمنة المتقدمة ، فإن ابن خزيمة المعروف بإمام الأئمة قد شهد له [ 11 ] جماعة بأنه أحفظ ممن تقدمه ، وكذلك الدارقطني مع تأخر زمنه قد شهد له جماعة بأنه أحفظ ممن تقدمه ، وكذلك ابن عساكر ، وابن السمعاني ، والسلفي قد شهد لهم جماعة بأنهم أحفظ ممن تقدمهم ، مع أنهم من أهل القرن السادس . فليس تقدم العصر دليلًا على أن أهله أحفظ ممن بعده وأعرف بالعلل . ولا يزال هذا التجويز كائنًا إلى انقطاع الدنيا وحضور القيامة ، فلا يتم تصحيح حديث حتى ينقرض العالم لجواز أن يوجد الله من هو أرفع طبقة ممن تقدمه فيطلع على علل لم يعرفها من هو دونه ممن صححه .
وإذا تقرر هذا فلا بد من المصير إلى أحد أمرين : إما الرجوع إلى أنه لا اعتبار بما يندر من وهم الثقات ، وأنه يسوغ التصحيح بوجود مستنده ، وهو اتصال السند ، وثقة رجاله ، مع اعتبار الأصل والظاهر القاضيين بعدم وجود شذوذ وعلة قادحة ، أو الرجوع إلى أمر آخر ، وهو أن الإمام الذي جزم بصحة الحديث مستندًا إلى كون رجاله ثقات وسنده متصل يبعد كل البعد أن يطلق التصحيح مع وجود علة قادحة أو شذوذ ، وأنه لا يطلق ذلك إلا بعد البحث الكامل . قال السائل - كثر الله فوائده : فإذا وقف الإنسان
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني — صفحة 1625
مساهمون: محمد بن علي الشوكاني
ص١٦٢٥