تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 473

مساهمون:

ص٤٧٣
وُلّي الشّيْخ قضاء القضاة فِي جمادى الأولى سنة أربعٍ وستّين عَلَى كرهٍ منه ، سَمِعْتُ عماد الدين يَحْيَى بْن أَحْمَد الحَسَنيّ الشّريف يَقُولُ : الشّيْخ عندي فِي الرُتْبة عَلَى قدم أَبِي بَكْر والشيخ زين الدّين الزّواويّ عَلَى قدم عُمَر ، فما رأت عيني مثلهما . وقال أيضًا : كَانَ الشّيْخ والله رحمةً عَلَى المسلمين ، ولولاه راحت أملاك النّاس لمّا تعرَّض إليها السلطان ركُن الدّين ، فقام فيها مقام المؤمنين الصّدّيقين ، وأثبتها لهم ، وبذل مجهوده معهم ، وعاداه جماعة الحكّام ، وعملوا فِي حقّه المجهود ، وتحدّثوا فِيهِ بما لا يليق ، ونصره اللَّه عليهم بحُسن نيّته ، يكفيه هذا عندَ اللَّه . سَمِعْتُ الإِمَام عماد الدّين مُحَمَّد بْن عَبَّاس بْن أَحْمَد الرَّبعي بالبيمارستان النُّوري يَقُولُ : رحمة اللَّه عَلَى الشّيْخ شمس الدّين ، كَانَ كبير القدر ، جعله الله رحمةً عَلَى المسلمين ، ولولاه كانت أملاك النّاس أُخِذت منهم . ثمّ ساق ابن الخبّاز ثناءَ جماعةٍ كثيرة من الفُضَلاء عَلَى الشّيْخ ، وساق فصلًا طويلًا في نحو من مائتي ورقة ، فِيهِ منامات مَرْئيّة من عددٍ كثير للشيخ ، كلها تدل عَلَى حُسن حاله ، وأنّه من أهل الجنة . وقد أثنى عَلَيْهِ الشّيْخ قُطْبُ الدّين ، وقال : ولي القضاء مكرهاً وباشر مدّة ، ثم عزل نفسه ، وتوفر عَلَى العبادة ، والتدريس والتصنيف ، وكان أوحد زمانه فِي تعدُّد الفضائل ، والتّفرُّد بالمحامد ، وحجّ غير مرّة ، ولم يكن لَهُ نظير فِي خُلُقه وما هُوَ عَلَيْهِ ، وكان عَلَى قدم السَّلف الصّالح فِي معظم أحواله ، ورثاه غير واحد . قلت : رثاه قريب ثلاثين شاعرًا ، وكانت جنازته مشهودة ، لم يسمع بمثلها من دهرٍ طويل ، حضرها أممٌ لا يحصَون ، وكان مقتصدًا فِي ملبسه وله عمامة صغيرة بعذَبةٍ بين يديه ، وثوب مقصور ، وعلى وجهه نور وجلالة ، وكان ينزل البلد عَلَى بهيمةٍ ، ويحكم بالجامع . ولا يسع هذا الكتاب منتخب ما أورده ابن الخبّاز ، وربمّا اختصر ذَلِكَ { ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ } وقد أجاز لي مَرْويّاته ، ولله الحمد ، وتمرّض أيّامًا ، ثم انتقل إلى اللَّه تعالى ليلة الثلاثاء سلْخ ربيع الآخر ،
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 473 | الذهبي / بشار عوّاد معروف