تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 472

مساهمون:

ص٤٧٢
الأهل والجيران والأصحاب ، لا يكاد يسمع بمريض إلّا افتقده ، ولا مات أحدٌ من أهل الجبل إلا شيّعة ، ولا سَمِعَ بمكانٍ شريف إلّا زاره ودعا فيه . وكان كثير التّردُد إلى مغارة الدم ، ومغارة الجوع ، وكهف جبريل ، وكان يقصد زيارة قبر والده وجدّه بعد العصر في كل جمعة ، ويقرأ " يس " و " الواقعة " وما تيسَّر ويهديه ويدعو للمسلمين . وحدَّثني التّاج عَبْد الدائم بن أَحْمَد بن عَبْد الدائم أنّ شيخنا رحل إلى يُونين ، وأقام بها أربعين يومًا يعبد اللَّه ويسأله ويتضرّع إلَيْهِ ، وكان معه العز أحمد ابن العماد ، قَالَ : وأملى علينا الإِمَام مفتي الشام محيي الدّين يَحْيَى النّواويّ بدار الحديث ، قَالَ : شيخنا الإِمَام العلامة ، ذو الفنون من أنواع العلوم والمعارف ، وصاحب الأخلاق الرضيّة ، والمحاسن واللّطائف ، أبو الفرج ، وأبو محمد عبد الرحمن بن أبي عمر المقدسي ، سمع الكثير وأسمعه وأسمع قديمًا فِي حياة شيوخه ، وهو الإِمَام المتَّفَق عَلَى إمامته وبراعته وورعه وزهادته وسيادته ، ذو العلوم الباهرة ، والمحاسن المتظاهرة . قال : وحدثنا الإِمَام أَبُو إِسْحَاق اللّوريّ المالكيّ ، قَالَ : كَانَ شيخنا شيخ الإِسْلَام ، قُدوة الأنام ، حسَنَة الأيّام ، الرّبانيّ ، شمس الدّين عَبْد الرَّحْمَن ابن شيخ الإِسْلَام أَبِي عُمر ممّن تفتخر بِهِ دمشق عَلَى سائر البلدان ، بل يزهو بِهِ عصره عَلَى متقدَّم العصور والأزمان ، لما جمع اللَّه لَهُ من المناقب والفضائل والمكارم التي أوجبت للأواخر الافتخار عَلَى الأوائل ، منها : التّواضع مَعَ عظمته فِي الصّدور ، وترك التّنازع فيما يُفضي إلى التّشاجر والنّفور ، والاقتصاد فِي كلّ ما يتعاطاه من جميع الأمور ، لا عجرفة فِي كلامه ، ولا تقعر ، ولا تعظُّم في مشيته ولا تبختر ، ولا شطط في ملبسه ولا تكثر ، ومع هذا فكانت لَهُ صدور المجالس والمحافل ، وإلى قوله المنتهى فِي الفصل بين العشائر والقبائل ، مع ما أمده الله به من سعة العلم ، وفطره عَلَيْهِ من الرأفة والحلم ، ألحَقَ الأصاغر بالأكابر في رواية الحديث ، إلى أن قال : لا يوفر جانبه عمن قصده قريبا كان أو أجنبيا ، ولا يدخر شفاعته عمّن اعتمده مسلمًا كَانَ أو ذِمّيًّا ، ينتاب بابه الأمراءُ والملوك ، فيساوي فِي إقباله عليهم بين المالك والمملوك . وسمعت فخر الدّين عُمَر بن يحيى الكرجي يَقُولُ : يا أخي ، الشّيْخ أشهر من أن يوصف ، بل أقول : تعذَّر وجُود مثله فِي أعصارٍ كثيرةٍ عَلَى ما بلغني من سيرة العلماء .