لا ندري إلى أَيْنَ نتوجَّه ، فسِرنا يومًا وليلة ، فوقعنا على قبيلة عرب من بني مهدي ، فوصَّلُونا إلى الكَرَك ، فأكْرمنا المغيث ثم قصدنا يهوديَّا لنصرف الدنانير وحكينا له ، فصاح وغُشي عليه ، ثم قال : هذا ضُرب فِي زمان مُوسَى عليه السلام ، وهذه المدينة بُنيت لما كان مُوسَى فِي التِّيه بالزجاج الأخضر عِوَض الحجارة ، وقد حصل لها طوفان رملي ، فتارةً ينقُص الرمل فتظهر جدرانها ، وتارةً يغطيها الرمل ، فبعناه الدينار بمائة دِرهم ، وأضافَنَا وأعلَمَ يهودَ الكَرَك بنا ، فكانوا يأتوننا ويسألونا ويقولون : هذه المدينة الخضراء التي بناها مُوسَى .
قال الجَزَري : ثم حَجَجْت أَنَا فاكتريتُ من معَان مع شخص من بني مهدي إلى القدس فسألته ، فقال : نحن بحذاء التيه ، وأنا ما رَأَيْت شيئًا ، ولكنْ أخبرني أَبِي أنه تصيَّد فِي التِّيه فوقع بمدينة خضراء ورأى حيطانها زجاجًا أخضرَ .
قال : فلما رجعتُ أعلمتُ قومي ، فأخذوا جمالًا وأوسقوها زادًا وماءً ، ثم قصدنا تلك الأرض فلم نرها وغُيِّبت عنا . وبعد كل مدة يراها واحدْ مصادفة . ويقصد لها عرب تلك الناحية باليهود ليزوروها فقلَّ من يراها .
وفيها حارب صاحب المَوْصِل العدوية ، وقتل خلقًا ، وأسر عدّة فصلب منهم مائة نفُس ، وذبح مائة ، وقُتل كبيرهم وعُلِّق . وبعث من نبش الشَّيْخ عديا وأحرق عظامه . أنبأني بذلك الظهير ابن الكازروني فِي " مجموع " .
ووثب غانم بن راجح بن قتادة الحَسَنيّ فِي مكة بأبيه فقيَّده وزعم أنه جُنَّ ، فسأله أن يُخلّي سبيله ، فأعطاه جَمَلًا فركبه وهرب ، وتمكن غانم بمكّة .
- سنة ثلاث وخمسين وستمائة
دخلتْ وعسكرُ الملك النّاصر نازلٌ على العوجاء ، والملك المُعزّ نازلٌ على العباسة ، وطال مُقام الفريقين ، وكان النّاصر قد أقطع البحرية أخبازًا جليلة .
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 659
مساهمون: الذهبي
ص٦٥٩