وحدثني الفقيهُ محمدٌ اليُونيني ، قَالَ : حكى لي فقيرٌ صالح ، قَالَ : لمّا مات الأشرفُ رأيتُه فِي المنام وعليه ثيابٌ خضرٌ وهو يَطيرُ مَعَ الأولياءِ ، فقلتُ : أيش تعملُ مَعَ هؤلاء وأنت كنتَ تفعلُ وتصنَعُ ؟ فتبسَّمَ وقال : الجسدُ الّذِي كَانَ يفعلُ تِلكَ الأفاعيل عندَكم والروح التي كانت تُحِبُّ هؤلاء قد صارتْ معهم .
قَالَ : وقيل : إنّ هذه الأبياتَ من نظْمِه كتبَ بها إلى الْإمَام الناصر :
العبدُ مُوسى طوره لمّا غَدَا . . . بَغْدادَ آنُسَ عِنْدها نَارَ الهُدَى
عبدٌ أعَدَّ لَدَى الإلهِ وَسيلةً . . . دِينًا ودُنْيا أحْمدًا ومُحَمَّدا
هذا يقُومُ بنصرِه فِي هذه . . . عندَ الخطوبِ وذاك شافِعُه غَدَا
وممّا أنشدَه الملكُ الأشرف :
لولا هيف القدّ وغنج المقل . . . ما كنت تجرّعت كؤوس العذلِ
فِي حُبِّ مقرطقٍ من التركِ يلي . . . أمري وأنا لَهُ وإن أصبحَ لي
وقال أَبُو المظفَّر : كُنتُ أغشى الأشرف فِي مرضه لمّا أحسِّ بوفاته فقلتُ لَهُ : استعدَّ للقاءِ اللَّه فما يضرُّك ؟ قَالَ : لا ، والله ، بل يَنْفَعُني . ففَرَّق البلادَ ، وأعتقَ مائتي نفسٍ من مملوك وجارية ، ووقَفَ دارَ فَرُّخْشاه التي يقال لها : دارُ السعادة ، وبستانَ النَّيْرَبِ عَلَى ابنته ، وأوصى لها بجميعِ الجواهر .
وقال سعد الدّين مَسْعُود بْن حَمُّويَه فِي " تاريخه " : وقَفَ دارَ السعادة عَلَى ابنته ، وبستانَه بالنَّيْرَبِ ، وأوصى لها بجميع الجواهر ، وأعتَقَ مائتي مملوك ومائتي جارية . وفي آخرِ ذي الحجّة غُشِيَ عَلَيْهِ حتى ظَنُّوا أَنَّهُ قد مات ، فجاءوا بِهِ إلى القلعة من النَّيْرَبِ وقد أفاقَ .
قَالَ ابنُ واصل : خَلَّف بنتًا واحدة تَزَوجها ابنُ عمّها الملكُ الجواد يونسُ لمّا تملَّكَ دمشقَ ، فلمّا مَلك عمُّه الصّالح إِسْمَاعِيل دمشق ثانيًا ، فسخ نكاحها منه ، لأنه حلف بطلاقها فِي أمرٍ وفَعَلَهُ ، ثمّ تزوجها ثانية الملكُ المنصور وهي معه إلى الآن .
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 198
مساهمون: الذهبي
ص١٩٨