تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 197

مساهمون:

ص١٩٧
بسم اللَّه ، فقامت وغابتْ ساعةً ثمّ جاءت بها ، فإذا هِيَ امرأةٌ ما رأيتُ أحسن من قدها ، ولا أظرفَ من شكلِها ، كأنَّ الشمس تحتَ نِقابها ، فخَدَمتُ ، ووقَفْتُ ، فقُمتُ لها ، وقُلتُ : أنتِ فِي هذا البلدِ وما أعلم بكِ ؟ فسَفَرَتْ عن وجهٍ أضاءَتْ منه المَنْظرةُ ، فقلتُ : استتِري ، فقالت : ماتَ أَبِي صاحبُ هذه المدينة ، واستولى بُكْتُمر عَلَى البلاد ، وكانَ لي ضيعة أعيشُ منها أخذها الحاجبُ عليٌ ، وما أعيش إلا من عمل النَّقْش وأنا فِي دور الكراء . فبَكَيتُ وأمرتُ لها بقماش ، وأن يُصلحَ دار لسكناها ، وقلتُ : بسم اللَّه . فقالت العجوزُ : يا خَوَنِد ما جاءت إلى خدمتك إلّا حتى تحظَى بك الليلةَ . فساعةَ سَمِعْتُ كلامها ، أوقع اللَّه فِي قلبي تغيُّرَ الزمان ، وأن يملكَ خِلاطَ غيري وتحتاج بنتي إلى أن تَقْعُدَ مثل هذه القِعْدَة فقلت : مُعَاذ اللَّه ، والله ما هُوَ من شيمتي ، ولا خلوتُ بغير محارمي ، فخُذيها وانصرفي كريمةً . فقامتْ باكيةً وهي تَقُولُ : صانَ اللَّه عاقبتَك كما صُنْتَني . وحدثني قَالَ : ماتَ لي مملوكٌ بالرُّها ، وخَلَّف ولدًا لم يكن فِي زمانه أحسنُ منه ، وكان من لا يدري يتَهَّمني بِهِ ، وكنت أُحبُّه ، وهو عندي أعزُّ من الوَلَد ، وبَلَغَ عشرين سنة ، فضرب غلامًا لَهُ فمات ، فاستغاثَ أولياؤه وأثبتوا أنه قتله وجاؤوا يطلبون الثَأرَ ، فاجتمعَ عليهم مماليكي وقالوا : نَحْنُ نُعطيكم عشرَ دياتٍ ، فأبَوْا ، فطردوهم فوقفوا لي ، فقلتُ : سلموه إليهم ، فسلموه فقتلوه . خِفْتُ اللَّه أن أمنعهم حقهم لغرض نفسي . قال أبو المظفَّر : وقضيَّته بحرانَ مشهورةٌ مَعَ أصحابِ الشَّيْخ حياة لمّا بَدَّدُوا المُسكر من بين يديه ، وكان يَقُولُ : بها نُصِرتُ . قَالَ أَبُو المظفَّر : لمّا فارَقْتُ دمشقَ وطلعت إلى الكرك ، أقمت عند الناصر ، فكُنْتُ أتردّدُ إلى القدس من سنة ستٍ وعشرين إلى سنة ثلاثٍ وثلاثين . ثمّ جرت أسبابٌ أوجبت قُدومي دمشقَ ، فسُرَّ بقدومي وزَارني وخَلَعَ عَلِيّ ، فامتنعتُ من لُبسِها ، فقال : لا بالله ألْبَسْها ولو ساعةً ، ليَعلَم الناسُ أنك قد رَضيتَ وزالت الوحشةُ . وبعث لي بغلَه الخاص وعشرَه آلاف درهم ، وأقمتُ بدمشق - إلى أن تُوُفّي - فِي أرغدِ عيشٍ معه .