تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 856

مساهمون:

ص٨٥٦
الدِّين أسمرَ قصيرًا ، تركيَّ الجسارة والعبارة . وكان يَتَكَلَّمُ بالفارسية أيضًا . وأما شجاعتُه ، فحسْبُكَ منها ما أوردتُه من وقعاته ، فكان أسدًا ضِرغامًا ، أشجعَ فرسانه إقدامًا . وكان حليمًا لا غَضُوبًا ولا شَتَّامًا ، وقورًا ، لا يَضْحَكُ إلّا تَبَسُّمًا ، ولا يُكثر كلامًا . وكان يختار العَدْلُ غير أنَّه صادفَ أيامَ الفتنة فغُلِبَ . وهذه السيرةُ في مجلّد فيها عجائبُ لَهُ من ارتفاع وانخفاض وفرطِ شجاعة . وفي الآخر تلاشى أمرُه ، وكبسهُ التّتارُ في اللّيل ، فنجا في نحوِ مائة فارس ، ثمّ تَفَرَّقوا عنه إلى أن بقيَ وحده وساقَ خلفه خمسة عشر من التّتار وألحُّوا في طلبه ، فثبت لهم ، وقَتَل منهم اثنين ، فوقفوا . وطلَع إلى جبلٍ بنواحي آمِد به أكراد ، فأَجَاره رجلٌ كبيرٌ منهم ، فعرَّفَه أنَّه السُّلطان ووعده بكلِّ جميل ، ففرح الكرديُّ ، ومضى ليُحضر خيلَه ، ويُعلم بني عمَّه ، وينهض بأمره ، وتركه عند أمّه ، فجاء كرديٌ جريء فقال : أيشٍ هذا الخُوارزْميّ تخلُّونه عندكم ؟ فقيل لَهُ : اسْكُتْ ، ذا هُوَ السُّلطانُ . فقال : إن كَانَ هكذا ، فذا قد قَتَل - بخِلاط - أخي ، ثمّ شَدَّ عليه بحربةٍ معه ، فقتله في الحال . وقال المُوفَّقُ عبدُ اللطيف : كَانَ أسمرَ أصفرَ نحيفًا ، سَمْجًا ، لأنّ أمَّه هندية . وكان يلبس طَرْطُورًا فيه من شَعْر الخَيْل ، مصبغًا بألوان . وكان أَخوه غياثُ الدِّين أجملَ النّاس صورة وأرقَّهم بَشَرَة ، لكنّه ظلومٌ غَشُوم وهُوَ ابن تركية . قال : والزِّنا فيهم - يعني في الخوارزميّة - فاش ، واللّواط ليسَ بقبيحٍ ولا مَعْذوقًا بشرط الكِبَرَ والصِّغَر . والغَدْرُ خلقٌ لا يُزايلُهم ؛ أخذوا قلعةً عند تَفْلِيس بالأمان ، فلمّا نزل أهلُها ، وبَعُدوا يسيرًا ، عادوا عليهم ، فقتلوا من كَانَ يَصْلُحُ للقتل ، وسَبَوْا من كَانَ يصلح للسبي . وَرَدَّ عليَّ رجلٌ من تَفْليس كَانَ يقرأ عليَّ الطِّبَّ ، فذكر لي ذلك كُلَّه ، وأنّه أقام بتَفْليس ستّ سنين ، واكتسب مالًا جمًّا بالطّبّ . فلمّا قرب الخُوارزميون جاء رسولُهم إلى الملكة بكلام لَيِّن ، فبينا هُوَ في مجلسها وقد وصل قاصدٌ يُخبر بأنّ القومَ في أطراف البلاد يعيثون ،