كثيرة ، ثمّ انهزم وحيدًا فقيدًا ، وتوجَّه نحو كِرمان ، وكان هناك ملكانِ كبيران ، فأحسنا إليه ، فلمّا قوي شيئًا غدرَ بهما ، وقتلَ أحدَهُما ، وفرَّ فأتي شيراز على بقر وحَمِير ، وأكثر مَنْ معه رجاله ، فدفع به صاحبُها نحو بغداد ، فأفسد في شهرابان وتلك النّواحي . وكان أخوه غياثُ الدِّين قد انفرد في ثلاثين رجلًا هاربًا ، ومعه صوفيّ يصلّي به ، فلمّا نامَ توامَرَ الجماعةُ على قَتْله والتَّقَرّب برأسه إلى التّتر ، فأحسَّ بذلك الصُّوفيُّ ، فتركهم حَتّى ناموا وأيقظه وأَعْلَمَهُ ، فعاجَلُهم فذبحهم ، وترك منهم قومًا يشهدون بما عزموا عليه . ثمّ دخل أصبهان فقيراً وحيداً ، فأحسنوا إليه ، واجتمع إليه شُذَّاذُ عسكر أبيه ، وجاءته خلعٌ من بغداد وتشريف ، ووُعِدَ بالسلطنة ، فسمعَ بوصول أخيه فقال : لا تصل إلّا بأمرِ الديوان ، فاستأذن ، فأُذن لَهُ ، فلمّا وصل جلالُ الدِّين خاف من أخيه ، فاعتقله ، وقيَّده مُدَّة حَتّى قوي واستظهر ، ثمّ أطلقه .
وفي الآخر ضعف دَسْتُ جلال الدِّين ، ومقتَهُ النّاس لقُبْح سيرته ، ولم يترك لَهُ صديقًا من الملوك بل عادى الكُلَّ ، ثمّ اختلف عليه جيشُهُ لَمّا فسد عقله بحبّ مملوكٍ ، فمات المملوكُ فأسرف في الحزن عليه ، وأمر أهلَ توريز بالنَّوح واللّطْم ، وما دفنه ، بل بقي يستصحبُه ، ويصرخ عليه ، والويل لمن يقول : إنّه ميّت ، فاستخفّ به الأمراء وأَنِفُوا منه ، وطمعت فيه التّتارُ لانهزامه من الأَشْرَفِ واستولوا على مَرَاغة وغيرها .
قلتُ : وفي الحوادث على السنين قطعة من أخباره . ولقد كان سدّاً بين التّتر وبين المسلمين ، والتقاهم غير مرَّة . وقد ذهب إليه في الرُّسْلِيّة الصاحبُ محيي الدّين يوسف ابن الجوزيّ ، فدخل إليه ، فرآه يقرأ في المصحف ويبكي ، واعتذر عمّا يفعله جنده بكثرتهم وعدم طاعتهم . وفي آخر أمره كَسَرِهُ الملكُ الأَشرفُ ، وصاحب الروم ، فراحَ رواحًا بَخْسًا ، ثمّ بعدَ أيّام اغتاله كُردي ، وطعنه بحربةٍ ، فقتله في أوائل سَنَة تسعٍ وعشرين بأخٍ لَهُ كَانَ قد قُتِلَ على يد الخُوارزمية . وتفرّق جيشُه من بعده وذُلُّوا .
قلتُ : لم يشتهر موتُه إلّا في سَنَةِ تسع ، وإنّما كَانَ في نصف شوَّال سَنَة ثمانٍ .
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 858
مساهمون: الذهبي
ص٨٥٨