تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 459

مساهمون:

ص٤٥٩
وتملَّك خِلاط بعده أخوه الْأشرف . ومات الظاهر قبله بسنتين ، فلم يتهنَّ بالمُلك بعده . وَكَانَ كلُّ واحدٍ منهما ينتظر موتَ الآخر ، فلم يصف له العَيْش لأمراض لزمته بعد طُول الصحة ، والخوف من الفرنج بعد طول الْأمن . وخرجوا إلى عَكَّا وتجمّعوا عَلَى الغور ، فنزل العادل قبالتهم عَلَى بَيْسان ، وخفيَ عَلَيْهِ أن ينزل عَلَى عُقْبَة فَيْق ، وكانوا قد هدموا قلعة كوكب وكانت ظهرهم . ولم يقبل من الجواسيس ما أخبروه بما عزم عَلَيْهِ الفرنج من الغارة ، فاغترّ بما عوّدته المقادير من طول السّلامة ، فغشيت الفرنج عسكره عَلَى غرَّة . وَكَانَ قد أوى إليهم خلقٌ من أهل البلاد يعتصمون بِهِ . فركب مُجدّاً ورماح الفرنج في أثره حَتَّى وصل دمشق عَلَى شفا ، وهمَّ بدخولها ، فمنعه المُعْتَمد وشجَّعه ، وَقَالَ : المصلحة أن تقيم بظاهر دمشق . وأمّا الفرنج فاعتقدوا أَنَّ هزيمته مَكِيدة ، فرجعوا من قريب دمشق بعدما عاثوا في البلاد قَتْلًا وأسرًا ، وعادوا إلى بلادهم وقصدوا دِمْيَاط في البَحْر فنازلوها . وَكَانَ قد عرض لَهُ قبل ذَلِكَ ضعفٌ ، ورَعْشة ، وصارَ يعتريه ورم الْأنثيين ، فَلَمَّا هزّته الخيل عَلَى خلاف العادة ، ودخله الرعب ، لم يبق إِلَّا مُدَّة يسيرة ، ومات بظاهر دمشق . وَكَانَ مَعَ حرصه يهين المال عند الشدائد غاية الإهانة ، ويبذله . وشرع في بناء قلعة دمشق ، فقسّم أبرجتها عَلَى أُمرائه وأولاده ، وَكَانَ الحفّارون يحفرون الخندق ، ويقطعون الحجارة ، فخرج من تحته خرزة بئر فيها ماء معين . ومن نوادره أَنَّ عنتر العاقد بلغه أَنَّ شاهدَا شهد عَلَى القاضي زكيّ الدِّين الطّاهر بقضية مزوّرة فتكلَّم عنتر في الشاهد وجرحه ، فبلغ العادل ، فَقَالَ : من عادة عنتر الْجَرْح . وتوضّأ مرة ، فَقَالَ : اللَّهمَّ حاسبني حسابًا يسيرًا . فَقَالَ رجل ماجنٌ لَهُ : يا مولانا إِنَّ الله قد يسَّر حسابك . قَالَ : ويلك وكيف ذَلِكَ ؟ قَالَ : إِذَا حاسَبَك فقل لَهُ : المال كلُّه في قلعة جَعْبَر لم أفرط منه في قليل ولا كثير ! وقد كانت خزائنه بالكرك ثُمَّ نقلها إلى قلعة جَعْبَر وبها ولده الملك الحَافِظ ، فسوَّل لَهُ بعض أصحابه الطَّمع فيها ، فأتاها الملك العادل ونقلها إلى قلعة دمشق ، فحصلت في قبضة المعظَّم فلم ينازعه فيها إخوته . وَقِيلَ : إِنَّ المعظَّم هُوَ الَّذِي سوَّل لأخيه الحَافِظ الطّمع والعصيان ، ففعل ، ولم يفطن بأنّها مكيدة لترجع